مفاتيح الغيب - الملا صدرا - الصفحة ٤٥٤
الحكماء ماء الفيض و الجود و كلاهما واحد و في تفسير بعض القراء ماء القرآن و الكل متقارب و قوله فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها أي النفوس الجزئية يقبل من ذلك الفيض النازل من عند نفس الكل بحسب استعداداتها ثم ذلك الفيض الساري كالماء الجاري [١] لكل محروم و سائل في الأودية قد يفيد لبعض النفوس شكوكا و شبها فسماه لسان القرآن زبدا رابيا مثل زبد البحر الطافي على وجه الماء و قد يفيد لبعضها حججا و براهين قاطعة ساطعة و هو الزلال الصافي فالزبد للغافلين و الزلال للواصلين بل هنا [٢] درجات أرفع بحسب صفاء الروح و كدورتها مذكورة في مقامها
فصل
العالم الثالث عالم الجسم فأول باب انفتح من بحر النور الأعظم هو الفلك الأقصى و الجرم الأعلى و يسمى محددا إذ به يتعين الحدود و الجهات المكانية كالفوق و التحت و بحركته يتحدد الجهات الزمانية كالمضي و الاستقبال و هو العرش المستوي لنفس الكل كما أنه العرش المستوي لعقل الكل و هو عرش الرحمن و يسمى جسمه جسم الكل كما أن نفسه نفس الكل و عقله عقل الكل إذ هو المعد بحركته اليومية لجميع الأجسام الجزئية لقبول الحياة و الحس و من خاصية هذا الجسم أن لا مكان له بل هو كل المكان و ليس في زمان لأنه الفاعل للزمان بحركته فهذا شرح كليات العوالم الثلاثة.
و قد أطبق الحكماء على وجود هذه العوالم الثلاثة لا نزاع فيها إنما الخلاف في وجود عالم مقداري غير مادي مشتمل على صور معلقة لا شرقية و لا غربية بل متوسطة بين العالمين و واسطة بين الإقليمين أي إقليم الروحانيات و إقليم الجسمانيات لأنه كخط فاصل بين الضوء و الظل و كالشفق بين الليل و النهار و قد تكلمنا في إثباته و برهنا على وجوده العيني و عالمه بعينه عالم النفوس الحيوانية الخيالية فلا يزيد به عالم آخر كما حققناه إذ الناطقة ذات وجهين وجه عقلي و وجه حيواني
[١] . الجاري السائل، ن ل
[٢] . هاهنا، ن م