مفاتيح الغيب - الملا صدرا - الصفحة ٤٥٣
كتائب النواسيت أثارت من بعضها طيب السعادة و من بعضها فتن الشقاوة و أورث لقوم ذكاء و فطنة و لآخرين بلادة و غباوة بلا ضنة و بخل ببياض بيضة إسلام و سواد بلدة كفر ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت [١] بل ساقية الوجود من بحر الكرامة و الجود يسقى بماء واحد لكن الناس معادن كمعادن الذهب و الفضة و مكامن كمكامن الحديد و الأسرب فيبرز من كل واحد من السنخين بعد أن يميز النار بين المغشوش و الصاف كما قال لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ [٢] ما كان كامنا و يظهر ما كان باطنا يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَ السَّماواتُ وَ بَرَزُوا لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ [٣] فهذا العقل هو الذي به يبنى عالم الوجود و انبجس من مصدر الجود كما ينفجر الصبح من شمس النهار و الأشعة من الأنوار و الحرارة من صورة النار
المشهد الرابع في ثاني العوالم و هو عالم المدبرات النفسانية
العالم الثاني عالم النفس فأول باب انفتح من بحر الجبروت إلى هذا العالم هو الذي يسمى نفس الكل و الروح الأمين و اللوح المحفوظ و الكتاب المبين و هو الماء الذي كان عليه عرش الرحمن و هو الماء المذكور في قوله وَ جَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍ [٤] إذ هي عين ماء الحياة الفوارة الجارية في عالم الأجسام السارية إلى سواقي الأجرام و هو المذكور في قوله تعالى خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ [٥] إذ كل النفوس منه استعدادها لقبول الكمالات لا ذواتها و حقائقها و من مواهب كمالاتها فيض الإلهام كما أن فيض الوحي من عطايا عقل الكل لأن الوحي أشرف و أشرق من الإلهام و إن اشتركا في الإعلام الباطني و كذا المنامات الصادقة من فيضها و هو الماء المذكور في قوله تعالى أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها [٦].
و في تفسير ابن عباس رضي الله عنه هو ماء العلم و في تفسير بعض
[١] . ملك ٣
[٢] . أنفال ٣٧
[٣] . إبراهيم ٤٨
[٤] . أنبياء ٣٠
[٥] . نساء ١
[٦] . رعد ١٧