مفاتيح الغيب - الملا صدرا - الصفحة ٤٤٥
من عالم اللطافة و اللباب و المحسوس محض الظلمة إذ به يمتنع كون الشيء معلوما منكشفا لكونه من عالم الكثافة و القشور و الأول قبل الثاني و اعتبر هذا بالمحسوسات فإن الألطف الأنور فيها قبل الأكثف الأكدر أ لا ترى أن رئيس العناصر الذي هو النار كيف يسبقها وجودا و يحيط بها مكانا عليا لنورانيته و لطافته و كذا السماء سبقت الأرض كما عرفت لشفافيتها و لهذا تقدم ذكر السماء على ذكر الأرض تأسيا للوجود اللفظي بالوجود الكوني الطبيعي في جميع المواضع نحو قوله خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ [١] و كذلك لن يسوغ في عناية الباري و رحمته تقديم إيجاد الظلمة على النور و تأخير اللب عن القشور و فعل الأخس الأنقص قبل الأشرف الأتم مع أن الظلمة من ممكن العدم و النور من معدن الوجود و الباري سبحانه ينبوع النور و الوجود و إنما دخل العدم و الظلمة في بعض أفعاله النائية عن منبع الإفاضة و الوجود على حسب الغرض اللاحق و القصد الثاني و لذلك وقع الشر في بعض حواشي الوجود و في صف نعال عالم الكرم و الجود لا في أوائل المصنوعات و بداياتها و ما بالذات أسبق مما بالعرض فالمعقول النوري قبل المحسوس الظلمي الله ولي الذين ءامنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور [٢] أي يخرج النفوس الإيمانية العرفانية بإفاضة الحقائق العلمية على ذواتهم من ظلمات عالم المحسوس إلى نور عالم المعقول و ذكر الظلمة بالجمع و التكثير و النور بالإفراد و التوحيد في جميع مواضع القرآن دال على أن المحسوس من عالم الكثرة و المعقول من عالم الوحدة و الواحد قبل الكثير بالضرورة فالمعقول قبل المحسوس.
العاشر أن إدراك الحواس لا يتم إلا بالعقل و إدراك العقل لا يحتاج إلى شيء من الإحساس و نسبة الإدراك كنسبة المدرك إلى المدرك فهذا إنما يدل على أن المحسوس لا يتم وجوده إلا بوجود المعقول مع استغنائه عن ذلك بل وجود المحسوس ينطوي في وجود المعقول انطواء الحس في العقل أ لا ترى أن صورة المحسوس التي وجودها في المادة إذا فرض تجردها عن المادة و استقلالها في الوجود صارت معقولة قائمة بذاتها فقد
[١] . زمر ٥
[٢] . بقرة ٢٥٧