مفاتيح الغيب - الملا صدرا - الصفحة ٤١٣
دينه دين الأنبياء فليس من الحكمة في شيء و لا يعد من الحكماء من ليس له قدم راسخ في معرفة الحقائق إذ الحكيم من كان عارفا بالحقائق على ما هي عليه بقدر الطاقة البشرية أعني أحوال المبدإ و المعاد و كيفية الصنع و الإيجاد و صدور الموجودات عنه تعالى و كيفية رجوعها إليه و الأول يقال له علم التوحيد و علم الإلهيات و الثاني يقال له علم المعاد و علم النبوات و هذه المعرفة بقسميها هي الحكمة التي جاءت في الوحي الإلهي الإشارة إلى تعظيمها و توقير أهلها وَ مَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً [١] و هي من أعظم المواهب و المنح و أجل العطايا و أشرف الذخائر و السعادات للنفس الإنسانية و بها قيام العالم العلوي و السفلي و ابتهاجات جميع الموجودات و لا سعد من سعد من الناس إلا بالحكمة و لا شقي من شقي إلا بجحودها لأنها أم الفضائل و أفضل الوسائل و رأس العبادات و معدن الطاعات و من أعظم البلاء و الرزية الإعراض عنها و الجحود لها كما قال وَ مَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَ نَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى [٢] و قوله كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [٣] و قال بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ [٤] فاجهد يا حبيبي هداك الله طريق السعادة في تحصيل ما أشارت إليه الأنبياء في الكتب المنزلة من الملإ الأعلى سيما هذا القرآن المنزل على نبينا عليه و آله و عليهم السلام و حث عليه الحكماء في أسفارهم و صحفهم من المقاصد الشريفة و المسائل المكنونة عن غير أهليها و مستحقيها لعلك تنال شيئا مما نالوه و تصل إلى منزل وصلوه و حلوه.
و اعلم أن الظن بأعاظم الحكماء و أساطينهم ممن شهدت أفاضل كل عصر و زمان بتقدمهم و فضلهم و اتفقت أماثل كل طائفة على زهدهم و صفاء ضمائرهم و طهارة قلوبهم بانخلاعهم عن الحس و تجردهم عن الدنيا و رجوعهم إلى المأوى و تشبههم بالمبادي و تخلقهم بأخلاق الباري إنهم متفقون على اعتقاد حدوث العالم بجميع جواهره و أعراضه و أفلاكه و
[١] . بقرة ٢٦٩
[٢] . طه ١٢٤
[٣] . مطففين ١٥
[٤] . مطففين ١٤