مفاتيح الغيب - الملا صدرا - الصفحة ٤٠٩
القصوى و القيامة العظمى و المعرفة الكبرى فاحفظ يا حبيبي ما ألقيناه إليك من هذا العلم المخزون و السر المكنون الذي لا يمسه إلا المطهرون
فصل فيه سر حكمي في تلاشي الطبيعة و دثور الدنيا و زوالها و انقراض أهلها
اعلم أن أصل اللذات و الأنوار و المشتهيات و الروائح البهية و الأشياء الفاضلة كلها الموجودة في الطبيعة إنما يكون من إفاضة النفس عليها بإذن الله غير أن الطبيعة قد شوشتها و كدرتها لما مازجتها بالجسمية و اختلطت بها و قد أشرنا آنفا إلى أن أصل الوجود إذا تعلق بماهية الجسم امتد و صار الواحد منه كثيرا بالقوة و المتصل منه منفصلا بالجواز بل وحدته عين استعداد الكثرة و جمعيته تساوق التفرقة و حضوره مشوب بالغيبة فسميت تلك الشوائب العدمية شرا و وبالا لكونها معوقة للخيرات و حصلت من هذه السبب الأشياء المتضادة المتخالفة بعضها لبعض و انبعثت منها المحن و البلايا و الأمور العارضة المنقصة للعيش المولمة للطبع و المكدرة للحياة المعذبة للنفس ما دامت هي موجودة في عالم الكون و الفساد أو في بعض البرازخ السفلية الأخروية و كل كمال و لذة في هذا العالم فهو في عالم آخر على وجه أعلى و أتم و أبهى و ألذ و أصفى فكيف يتوهم متوهم أن هذه اللذات موجودة في المحل الناقص و معدومة في المحل الفاضل و لذلك قال فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ [١] و قوله فِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَ تَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَ أَنْتُمْ فِيها خالِدُونَ [٢] و قوله وَ إِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ [٣] فإذا كانت الدار حيوانا فما ظنك بأهل الدار فهذه معرفة الجنة و نعيمها على الإجمال و سيجيء بيانها بوجوه تفصيلية عند تفسير الآيات المشيرة إليها.
فقد علمت أن كل شيء يرجع إلى أصله و كل ناقص يتوجه إلى كماله و يعود إلى ماله فكل سعيد ينقلب إلى أهله مسرورا و كل شقي يتعذب
[١] . سجدة ١٧
[٢] . زخرف ٧١
[٣] . عنكبوت ٦٤