مفاتيح الغيب - الملا صدرا - الصفحة ٤٠٥
أقول هذا كلام وجيز في غاية البلوغ و الإفاضة و كأنه مستفاد من معدن الوحي و النبوة فدل على حدوث العالم و زواله و نفاده و دثوره و كذا دل بوجازته على وقوع القيامة الكبرى كما ظهر من كلام انباذقلس كما ستعلم.
و من عظماء الحكمة و كبرائها انباذقلس و هو من الخمسة المشهورة من رؤساء اليونان قد نقلنا عنه في الرسالة من كلماته الدالة على الحدوث و إنما لم نوردها هاهنا لحاجتها إلى شرح ذكرناه هناك لا نطول الكلام بذكره هاهنا و مما قال في أمر المعاد أنه يبقى هذا العالم على الوجه الذي عهدناه من النفوس التي تشبثت بالطبائع و الأرواح التي تعلقت بالشبابك حتى يستغيث في آخر الأمر إلى النفس الكلية فيتضرع إلى العقل و يتضرع العقل إلى الباري فينسخ الباري على العقل و نسخ العقل على النفس و نسخ النفس على هذا العالم فيستضيء الأنفس الجزئية و يشرق الأرض و العالم بنور ربها حتى يعاين الجزئيات كلياتها فيتخلص من الشبكة فيتصل بكلياتها و يستقر في عالمها مسرورة محبورة و من لم يجعل الله له نورا فما له من نور [١] انتهى.
و هذا الكلام منه دال على بطلان هذا العالم و دثوره و زواله إذ قد بين بالبرهان أن وجود الأجسام لا يمكن بدون النفوس و الأرواح سيما الأفلاك و ما فيها فأفاد كلامه رجوع الخلائق كلها إلى المبدإ الخلاق و وقوع القيامة الكبرى الموجبة لفناء الكل و بقاء الواحد القهار.
و من أولئك الأقدمين انكسيمانس الملطى المعروف بالحكمة المذكور بالخير نقل عنه أنه كان يقول إن هذا العالم يدثر و يدخله الفساد من أجل أنه سفل تلك العوالم و ثقلها و نسبته إليها نسبة القشر إلى اللب و القشر يرمى انتهى كلامه و دلالته على الحدوث أظهر من أن يخفى و قد نقلنا في رسالة الحدوث من كل واحد من أولئك العظماء الخمسة من اليونانيين و هم أفلاطن و سقراط و فيثاغورس و انباذقلس و اغاثاذيمون و الثلاثة من الملطيين أعني ثالس الملطى و انكساغورس و انكسيمايس و
[١] . نور ٤٠