مفاتيح الغيب - الملا صدرا - الصفحة ٤٠٣
عجزت العقلاء الذين جاءوا بعده عن إدراك هذه المثل النورية على وجهها و عن الإذعان بوجود صور هذه الطبائع مجردة عن المواد في عالم الإله و نحن بفضل الله و جوده قد أحيينا رسومه و أحكمنا بنيان مذهبه و رأيه و شيدنا أركانه و ذببنا عن ذلك و فككنا عقدة الإشكالات التي أوردها عليه كل من أتى بعده إلى هذا الوقت تقربا إلى الله و تشوقا إلى دار كرامته.
و منها الإشارة إلى أن تلك الحسيات راجعة إلى تلك العقليات الصورية صائرة إليها متصلة بها كاتصال حواسنا المتباينة بعقولنا مع أن إحداها داثرة فانية و الأخرى باقية قائمة عند الله.
و منها أن تلك الصور العقلية هي بعينها صور علم الله لقوله فكانت صورة في علم الأول إلى آخره فهي موجودة بوجوده عز و جل دائمة بدوامه و ليست موجودات مستقلة منفردة عن الأول تعالى ليلزم تعدد القدماء تعالى الله عن ذلك و ذلك لأنها كما علمت مقهورة تحت كبرياء الأول مطموسة أنوارها تحت سطوع نوره و لهذا المعنى ذكر الشيخ اليوناني ليس للمبدع الأول صورة و لا حلية و لا قوة لكنه فوق كل صورة و حلية و قوة و قال أيضا ليس المبدع الحق شيئا من الأشياء و هو جميع الأشياء لأن الأشياء منه.
و من أولئك الأقدمين القائلين بحدوث العالم سقراط الحكيم العالم العارف الزاهد من أهل أثنية [١] و كان قد اقتبس الحكمة من فيثاغورس و ارسلاوس و اقتصر من أصنافها على الإلهيات و الخلقيات و اشتغل بالزهد و رياضة النفس و تهذيب الأخلاق و أعرض عن متاع [٢] الدنيا و طيباتها و اعتزل إلى الجبل و نهى الرؤساء الذين كانوا في زمانه عن الشرك و عبادة الأوثان فثوروا عليه الغاغة و ألجئوا ملكهم إلى قتله فحبسه الملك و سقاه السم و قصته معروفة فمن أقواله الدالة على حدوث العالم أن علمه تعالى و حكمته و جوده و قدرته بلا نهاية و لا يبلغ العقل أن يصفها و لو وصفها لكانت متناهية فألزم عليك أن تقول إنها بلا نهاية و لا غاية و قد ترى
[١] . أمشية رسالة الحدوث
[٢] . ملاذ رسالة الحدوث