مفاتيح الغيب - الملا صدرا - الصفحة ٤
و لقد نشأت في زماننا هذا قوم يرون التعمق في العلوم الإلهية و التدبر في الآيات الربانية بدعة و وبالا و مخالفة أوضاع الجماهير خدعة و ضلالا لأنه لم يتعد نظرهم عن ظهور هذه الأجسام و لم يرتق فكرهم و قصدهم عن عمارة هذه الهياكل و الأبدان في عالم الظلام و هم كالذين حكى الله تعالى عنهم بقوله لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَ لَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَ لَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ [١] فأصبح الجهل باهر الرايات ظاهر الآيات فأنكروا العلم و أهله و استرذلوا العرفان و فضله و انصرفوا عن الحكمة و الدين متزاهدين [٢] و منعوا البحث عن طلب اليقين معاندين و لشؤم سيرتهم الفاسدة و خبث سريرتهم المعاندة قد ضاعت السير العادلة و شاعت الآراء الخبيثة الباطلة.
فأقعدني الأيام عن الإقدام و حجبني الدهر عن البلوغ إلى هذا المقام و كنت مدة على هذه الحال بهذا المنوال ممسكا عنان اللسان عن المقال و فارس الكلام عن التجوال لم أجد من جانب الحق لإظهار ما جاد به باعثا يوجب الإظهار و لا رغبة تدعو التصريح و الإشعار إلى أن عن [٣] لي نور الاستخارة مرة بعد أخرى بالإشارة و جدد لي داعية الحق كرة بعد أولى في الإنارة بشعلة ملكوتية آنست من جانب طور القدس نارا لعلي آتيكم يا أهل التجريد و أصحاب التفريد منها بخبر أو جذوة لعلكم تصطلون و بآيات ربكم تهتدون.
فلما أقبلت بوجه القلب على شاطئ الواد الأيمن في البقعة المباركة متوجها بشراشر جنوده و قواه العقلية و الحسية و عساكره العلمية و العملية منحنى صاحب قدس اللاهوت و مالك ملك الملكوت عند ذلك فتحا جديدا و جعل بصر البصيرة بنوره حديدا و فتح للقلب فتحا قريبا و نصر الله نصرا عجيبا فاهتز الخامل من نشاطي و تموج الساكن من انبساطي و انكشف لي أيضا في هذا الفتح الجديد من إبراز كتابه المجيد
[١] . ١٧٩ الأعراف
[٢] . زاهدين، ن م
[٣] . أي ظهر أمامه