مفاتيح الغيب - الملا صدرا - الصفحة ٣٥٨
لم يكن مدحا ثم قالت الملائكة إنك تفعل ذلك و نحن مع ذلك نسبح بحمدك و نقدس لك [١] لما أنا نعلم في الجملة أنك لا تفعل إلا الحكمة و الصواب فلما قالوا ذلك قال إني أعلم ما لا تعلمون [٢] كأنه قال أنتم علمتم مجملا في وجه الحكمة و أنا أعلم تفصيله و كنهه أو أنتم علمتم ظاهرهم من الفساد و القتل و أنا أعلم ظاهرهم و باطنهم من أسرار خفية و حكمة بالغة اقتضت خلقهم و إيجادهم.
و أما الوجه الثاني من وجوه الشبه الأولى و هو صدور الغيبة عنهم فالجواب أن غرضهم ذكر موضع الإشكال في خلق بني آدم و لم يكن ذلك إلا هاتين الصفتين لا عبادتهم و توحيدهم.
و أما الجواب عن الوجه الثالث فبأن مدح النفس غير ممنوع مطلقا بل ممدوح في مقام الشكر لقوله تعالى وَ أَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ [٣] و بأنهم أرادوا به بيان أن هذا السؤال ما أوردناه لنقدح به في حكمتك يا رب فإنا نسبح بحمدك و نقدس لك و نعترف لك بالإلهية و الحكمة بل لطلب وجه الحكمة على سبيل التفصيل. و أما جواب الوجه الرابع فهو أن هذا اعتذار عن ترك الأولى و نحن نسلم أن الأولى لهم ترك هذا السؤال فإن قيل أ ليس أنه تعالى قال لا يسبقونه بالقول [٤] فهذا السؤال إن كان بإذنه تعالى فكيف اعتذروا عنه قلنا ذلك عام و العام يتطرق إليه التخصيص و به يخرج الجواب عن الوجه الخامس.
و أما الجواب عن السادس فهو أنهم قالوا ذلك على يقين كما هو رأي الأكثرين و كان الداعي لهم في ذكره طلب وجه الحكمة في خلق من هذا حاله و ذكروا فيه وجوها أحدها أنه لما كتب في اللوح المحفوظ ما هو كائن إلى يوم القيامة فلعلهم طالعوا اللوح فعرفوا ذلك و ثانيها ما قال ابن زيد لما خلق الله النار خافت الملائكة خوفا شديدا فقالوا ربنا لمن خلقت هذه النار قال لمن عصاني من خلقي و لم يكن يومئذ لله خلق إلا
[١] . بقرة ٣٠
[٢] . بقرة ٣٠
[٣] . ضحى ١١
[٤] . أنبياء ٢٧