مفاتيح الغيب - الملا صدرا - الصفحة ٣٤
النور العقلي يتراءى فيه حقائق الملكوت و خبايا الجبروت كما يتراءى بالنور الحسي الأشباح المثالية في المرائي الصيقلية إذا لم يفسد صقالتها بطبع و لم يتكدر صفاؤها برين و لم يمنعها حجاب عن ذلك ذلك لأن النفوس بحسب أصل فطرتها صالحة لقبول نور الإيمان و فيض الرحمن إذا لم تطرأ لها ظلمة تفسدها أو حجاب يحجبها عن إدراك الحق كما في قوله تعالى وَ طُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ [١] و قوله بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ [٢] فإذا أعرضت نفس إنسانية [٣] عن دواعي البدن و الاشتغال بما تحتها من الشهوة و الغضب و الحس و التخيل و توجهت و ولت بوجهها تلقاء عالم الملكوت الأعلى اتصلت بالسعادة القصوى و رأى عجائب الملكوت و آيات الله الكبرى كما قال تعالى لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى [٤] ثم إن هذا الروح إذا كانت قدسية شديدة القوى قوية الإنارة لما تحتها لا يشغلها جهة فوقها عن تحتها فيضبط للطرفين و يسع للجانبين و لغاية قوتها و شدة تمكنها في الحد المشترك بين المعقولات و المحسوسات لا يستغرقها حسها الباطن عن حسها الظاهر و ليست كالأرواح العامية الضعيفة إذا مالت إلى جانب غابت عن الآخر و إذا ركنت إلى مشعر من المشاعر ذهلت عن الآخر فلذلك البصر منها يختل بالسمع و بالعكس و الخوف يشغلها عن الشهوة و الشهوة تصدها عن الغضب و الفكر يعطلها عن الجميع.
و أما الروح القدسية فلا يشغلها شأن عن شأن لا تصرفها نشأة عن نشأة فإذا توجهت إلى الأفق الأعلى و تلقت أنوار المعلومات بلا تعلم بشري من الله يتعدى تأثيرها إلى قواها و يتمثل صورة ما شاهدها لروحها البشري و منها إلى ظاهر الكون فتمثل للحواس الظاهرة سيما السمع و البصر لكونهما أشرف الحواس الظاهرة و ألطفها فيرى شخصا محسوسا و يسمع كلام الله منظوما في غاية الجودة و الفصاحة أو صحيفة مكتوبة فالشخص هو الملك النازل الحامل للوحي الإلهي و الكلام هو كلام الله
[١] . التوبة ٨٧
[٢] . المطففين ١٤
[٣] . إنساني، ن م
[٤] . النجم ١٨