مفاتيح الغيب - الملا صدرا - الصفحة ٣٢٤
فهو مخلوق مثلكم مردود إليكم
فخرج عن التقييد و التحديد بظهوره في القيود و الحدود ليكون هو المعبود فقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه [١] فكانت الأصنام و الأوثان مظاهر له في زعم الكفار فأطلقوا عليها اسم الإله فما عبدوا إلا الإله و هو الذي عليه ذلك المظهر فقضى حوائجهم و عاقبهم إذ لم يحترموا ذلك الجناب الإلهي في هذه الصورة الجمادية فهم الأشقياء و إن أصابوا إذ لم يعبدوا إلا الله و المحجوبون سعدوا و إن أخطئوا إذ ما عبدوا إلا صنما صورته أوهامهم و منحته أفهامهم فما أدري أيها أشقى فالشقي من قيده و شبهه و السعيد من أطلقه و نزهه عن التشبيه بشرط أن لا يقيده بالتنزيه فانظر إلى أن هذا السر العجيب و هذا السريان الوجودي في هذه المظاهر كيف سعد به قوم و شقي به آخرون.
و قال بعضهم كلما تخيلته في نفسك أو صورة وهمك فالله بخلاف ذلك فصدق بوجه دون وجه.
و قال الآخر الحق لا يكون مدلولا للدليل و لا معقولا للعقول فكذب بوجه دون وجه نعم لا تحصله العقول بأفكارها و لا تستنزله المدارك بأذكارها لكنه إذا ذكر فيه يذكرون و به يفكرون و يعقلون فهو عقل العقلاء و ذكر الذاكرين و فكر الدالين و دليل المتحيرين لو خرج عن شيء لم يكن و لو كان في شيء لم يكن.
فالعرفاء الربانيون هم المقربون الذين أدركوا هذا المشهد الأحمى و عرفوا هذه المعرفة العظمى و أعطوا هذه العطية الكبرى و أما من سواهم فقد نصبت له علامة يعبدها و حقيقة يشهدها و هي ما انطوى عليه اعتقاده و دليل قوي عليه اعتماده أو قلد صاحب دليل و هو عند نفسه أنه قد ظفر بمطلوبه و اعتكف على معبوده و سكن إليه و استراح من الحيرة و كفر بما ناقض ما عنده و كفر ما اعتقد غير معتقده فلهذا يكفر بعضهم ببعض و يلعن بعضهم بعضا دنيا و آخره كما قال تعالى كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها [٢] و العالم المحقق لما هو الأمر عليه في عينه يتفرح في ذاته في دائرة العالم ظاهره و باطنه فهو العين المصيبة و المرآة المستوية التي يتراءى فيها
[١] . الإسراء ٢٣
[٢] . الأعراف ٣٨