مفاتيح الغيب - الملا صدرا - الصفحة ٣٠٩
المشهد الخامس في بيان أقسام الميزان
إذا علمت هذا فاعلم أن موازين القرآن في الأصل ثلاثة ميزان التعادل و ميزان التلازم و ميزان التعاند لكن ميزان التعادل ينقسم إلى ثلاثة أقسام الأكبر و الأوسط و الأصغر فيصير الجميع خمسة.
الأول الميزان الأكبر و هو ميزان الخليل ع الذي قد استعمله مع نمرود فمنه تعلمنا أخذ الميزان بواسطة القرآن و ذلك أن نمرود ادعى الألوهية و كان الإله عندهم بالاتفاق عبارة عن القادر على كل شيء فقال الخليل ع الإله إلهي لأنه الذي يحيي و يميت و هو القادر عليه و أنت لا تقدر عليه فقال أنا أحيي و أميت يعني أنه يحيي النطفة بالوقاع و يميت الإنسان بالقتل فعلم إبراهيم أن ذلك يعسر عليه فهمه فعدل إلى ما هو أوضح عنده فقال إن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر [١] و قد أثنى الله تعالى عليه فقال وَ تِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ [٢] الآية فعرف من هذا أن الحجة و البرهان في قول إبراهيم و ميزانه فنظرنا في كيفية وزنه كما نظرت في ميزان الذهب و الفضة فرأيت في حجته أصلين قد ازدوجا فيتولد منهما نتيجة هي المعرفة و القرآن مبناه على الحذف و الإيجاز و كمال صورة هذا الميزان أن يقول كل من يقدر على إطلاع الشمس فهو الإله فهذا أصل و إلهي هو القادر على الإطلاع هذا أصل آخر فيلزم من مجموعهما بالضرورة أن إلهي هو الإله دونك يا نمرود.
فانظر الآن هل يمكن أن يعترف بالأصلين معترف ثم يشك بالنتيجة أو هل يتصور أن يشك في هذين الأصلين شاك فالأول و هو كون الإله قادرا على كل شيء و إطلاع الشمس من جملتها معلوم بالوضع المتفق عليه و الثاني و هو قوله القادر على الإطلاع هو الله دونك معلوم بالمشاهدة.
فإن قلت هذه المعرفة بالضرورة هاهنا إذ لا يمكن أن أشك في هذين الأصلين و لا في لزوم هذه النتيجة لكني لا تنفعني إلا في هذا الموضع و على
[١] . البقرة ٢٥٨
[٢] . الأنعام ٨٣