مفاتيح الغيب - الملا صدرا - الصفحة ٣٠٣
المشهد الثاني في استدلال على تحقيق ماهيته بآيات القرآن
قال تعالى لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَ أَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَ الْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ [١] و قال وَ السَّماءَ رَفَعَها وَ وَضَعَ الْمِيزانَ أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ وَ أَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَ لا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ [٢] و قال وَ زِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ [٣].
و قد علمت فيما سبق أن متشابهات القرآن ليس يجوز فيها الاقتصار على المحسوس الصرف في معانيها و لا أيضا الحمل على التأويلات المجازية الخارجة عن حقائق ظواهرها بل كما مر تحقيقه فالعلم القطعي حاصل لأهل البصيرة المنورة بأنوار الكلام بأن الميزان النازل من السماء الوارد على قلوب الأنبياء المصحوب إنزاله لإرسال الرسل المقرون ذكره بذكر الكتاب و الإيحاء المشفوع وضعه لرفع السماء ليس المراد به ميزان البر و الشعير و لا معيار مقدار الدراهم و الدنانير من الذهب و الفضة و سائر أمتعة الدنيا و آلات السعير و حلي أهل ذوبان النار و تجميد الزمهرير بل الذي يناسب الوحي و الإنزال و يلائم الهداية و الإرسال و توجب الإقامة به الاستقامة على الطريق و القيام بالحق عند المهيمن المتعال هو الميزان الذي يعرف به حساب مكاييل الأفكار و مثاقيل الأنظار ليعلم بها كل أحد مقدار علمه و عقله و ميزان فكره و نظره و غاية سعيه و عمله و حساب رزقه و أجله المعلوم عند الله و عند أوليائه و رسله فإن لكل مخلوق رزقا خاصا معلوما و بحسب كل رزق أجل مكتوب و حساب محسوب و الأرزاق متفاوتة في الأكل تفاوتا عظيما كما و كيفا نفعا و ضرا صفاء و كدرا لبا و قشرا فكذا الأعمار و الآجال و رزق الإنسان مباين لرزق سائر الحيوان و كذا رزق قلبه يخالف رزق قالبه و رزق روحه يخالف رزق نفسه فيتفاوت بسبب ذلك الحياة و البقاء فمن كان طعامه و شرابه عند ربه كان حياته و بقاؤه بلقاء ربه كما قال سبحانه وَ لا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ
[١] . الحديد ٢٥
[٢] . الرحمن ٨ و ٩
[٣] . الإسراء ٣٥