مفاتيح الغيب - الملا صدرا - الصفحة ٣٠١
استعلام المجاهيل و استنباط الدلائل إذ الكسب و التجارة من غير رأس مال محال فأنعمت العناية التامة بها ليتيسر لنا الانتقال منها إلى الثواني الكسبية.
فهذه أقسام الأشياء الحاضرة في الذهن حضورا واجبا ضروريا و حصولا إمكانيا استعداديا و الأول سميناه أوليات و الثاني سميناه كسبيات و إلى هذين النوعين من العلم أشار قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ [١] هو الكسبيات و مِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ [٢] هو الأوليات المغروسة في أرض الفطرة وَ لا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ [٣] هو الوهميات الكاذبة بالطيب [٤] هو المبادئ البرهانية.
و أما القسم الثاني و هو أن يكون الأمور حاضرة خارج الذهن فهو إما أن يكون موجودا في العين أو لم يكن فإن كان موجودا في العين و هو جميع عالم الأجسام فهذا يمكن تحصيله من وجه دون وجه لأن عالم الأجسام ظاهرا محسوسا و باطنا معقولا و لهذا
قال ص:
أرنا الأشياء كما هي
فدل على أن الأشياء التي نراها بالحس ليست كما هو محسوس صرف بل في بواطنها أسرار مخبوءة معقولة فمن الوجه الذي هو محسوس لا يمكن طلبه لحصوله بل من الوجه الذي هو غير محسوس فيتوصل بمحسوسه إلى معقوله و من هذا يظهر بطلان قول من ظن أن الأشياء لا يمكن اكتسابها لأنه يلزم إما تحصيل الحاصل أو طلب المجهول المطلق فيسد باب الكسب و يفتح باب الجبر و يعطل الإنسان عن تحصيل العلوم مع أن الأمر بتحصيلها وارد في جميع الشرائع و الأديان من أصحاب البرهان و الإيمان خصوصا في شرعنا الكامل و ديننا الشامل فوق ألف مرة. و من الغلاة في هذا الباب صاحب التفسير الكبير في أكثر كتبه خصوصا في المحصل و في التفسير حيث بالغ فيه و نحن بحمد الله قد فككنا عقدته و حللنا شبهته كما سيجيء و إن لم تكن موجودة أصلا لا في خارج الذهن و لا فيه فلا يمكن طلبه و كسبه لاستلزامه طلب المجهول مطلقا فعلم أن طلب الإنسان علوم الأشياء و حصولها بوسيلة ما هي حاضرة في ذهنه من التصورات و التصديقات فهي من جهة إيصالها إلى تصورات الأشياء يسمى
[١] . البقرة ٢٦٧
[٢] . البقرة ٢٦٧
[٣] . البقرة ٢٦٧
[٤] . بالطيب أي بعوض الطيب