مفاتيح الغيب - الملا صدرا - الصفحة ٢٩
و شاهدها بحس البصر ينطبع صورتها في قوة بصره ثم يظهر صورتها في قلبه حتى إنه لو غمض بصره يرى صورة السماء و الأرض في خياله بحالها و يشاهدها كأنه ينظر إليها و لو انعدمت السماء و الأرض في أنفسهما لأنهما حاصلة في عالم آخر سلطانه أقوى من أن يزول ما فيه بزوال ما في هذا العالم ثم يتأدى من خياله أثر عقلي إلى القلب و يرتقي منه إلى القوة العاقلة المتحدة بالعقل الفعال فيحصل فيه حقائق الأشياء التي دخلت في العين و الحس و الخيال فالحاصل في العقل موافق للعالم الموجود في نفسه و نسخة لوحه مطابقة للنسخة الموجودة في اللوح المحفوظ و هي القضاء الرباني المسبوق بالقلم الأعلى و هو سابق على وجودها في السماء الدنيا و لوح المحو و الإثبات و عالم القدر التفصيلي و هو سابق على وجودها المكتوب في صحيفة الأكوان المادية المكتوبة بمداد المواد الجسمانية و المتلوة بلسان الاستعدادات أو المقامات فيتبع وجودها الخارجي وجودها الخيالي أعني وجود صورتها في الخيال و يتبع وجودها الخيالي وجوده العقلي و بعض هذه الموجودات روحانية و بعضها جسمانية و الروحانيات بعضها أتم روحانية من بعض و هذا من لطائف حكمة الله في خلق العالم و بعثه ما خلقكم و لا بعثكم إلا كنفس واحدة [١] فكان الوجود شخص واحد دار على نفسه و صعد إلى ذروة الكمال بعد ما نزل منها إلى حضيض النقص و الوبال كنقطة من دائرة دارت إلى حيث فارقته فالغاية في إنزال الكتب و إرسال الرسل بعث الخلائق و سياقتهم من حضيض الخسة إلى أوج الشرف و هذا هو المقصود الأصلي و أما عروض الضلالة و طروء الشقاوة للأشقياء و أصحاب الجحيم فليس مقصودا أوليا و إنما هو بالقصد الثاني و على سبيل التبعية كما أن الغرض من وضع الكلام و الكتابة رفع المعاني إلى مدارك العقلاء المهتدين لا المجانين و الضالين و المنحرفين كما أن الكلام إذا خرج من باطن المتكلم إلى ظاهره و دخل من ظاهره إلى باطن المخاطب فورد أولا في منزل صدره ثم إلى باطنه فإذا ارتحل من عالم التخاطب و الحركة إلى عالم السمع و الإدراك يقع
[١] . لقمان ٢٨