مفاتيح الغيب - الملا صدرا - الصفحة ٢٦٩
الصفة الثالثة الإرادة و هي لفظة تطلق فينا على الميل و الداعية و العزم المقتضي لرجحان الفعل أو الترك المسبب عن اعتقاد عقلي أو ظني لأحدهما صادق في الواقع أو على الزعم و على الشهوة الحيوانية التابعة للمزاج المسبب عن التخيل و لا شك في استحالة هذه المعاني في حق الله خالق الميل و الشهوة و الرغبة و النفرة و الفرق بين الإرادة و الشهوة كالفرق بين الاعتقاد العقلي أو الظني و بين الإحساس و أن المريد قد يكره المراد كالمريض إذا أراد شرب دواء كريه بشع [١] فإنه يريده بقوة العقلية لمصلحة إزالة السقم مع أنه لا يشتهيه بقوة التخيلية.
و أما المعنى الواجب ثبوته في حق الواجب فهو أجل من هاتين الصفتين السالف ذكرهما و إنما هو كون ذاته تعالى بحيث يعقل ذاته و هو أشرف من كل شريف و أبهى و ألذ من كل بهي لذيذ و يعقل ما بعد ذاته و ما يصدر عن ذاته و هي أفعاله التي هي أفضل الأفعال و أحكمها و أتقنها لكونها من توابع ذاته فيريدها و يعشقها عشقا تابعا لعشق ذاته فإن من عشق ذاتا فقد عشق جميع آثارها و أفعالها عشقا تابعا لعشق تلك الذات قال تعالى يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ [٢] أما محبته إياهم فلكونهم من أفعاله و الله تعالى يحب نفسه فيحب فعل نفسه و أما محبتهم إياه فلكونه أصل وجودهم و منشأ حصولهم و أصل الشيء أولى به من نفسه و محبة كل شيء لنفسه فطرية فكذا محبة ما هو أصل نفسه فيكون أولى بأن يحبه من نفسه و لهذا لما سمع الشيخ المهني رحمه الله هذه الآية قال بحق يحبهم فإنه ما أحب إلا نفسه فهذه إرادته الخالية عن النقص و الشين فإنها يرجع إلى علمه بكيفية نظام الخير في الوجود التابع لعلمه بذاته و عشقه لذاته لا كاتباع الضوء للمضيء و الإسخان للحار و كما أن ذاته تعالى عين العلم بذاته لتجرده و عين الابتهاج و العشق لذاته لخيريته إذ الوجود كله خير و لذيذ و كمال الوجود خير الخير فكذلك وجود ما يصدر عن ذاته و يتبع ذاته عين علمه به و عين عشقه له و ابتهاجه به عشقا و ابتهاجا تابعا لعشقه بذاته و ابتهاجه لما علمت
[١] . أي الكريه الطعم
[٢] . المائدة ٥٤