مفاتيح الغيب - الملا صدرا - الصفحة ٢٤٧
كدلالة العقل و أحواله و هو أشرف الأفعال على فضيلة المبدإ و فضيلة صفاته فكون الجسم دل على مكون له و حركته دلت على محرك يباشر تحريكه.
و أما العقل فذاته لما كانت مجردة عن المواد و علائقها دل على وجود مبدع واحد مجرد عن الممكنات غني على الإطلاق و كذا علمه يدل على مفيض العقل و واهب النور و الحياة و وحدته دلت على الفرد الأحد الصمد لأن الكثير لا يفعل الفرد الواحد بل الفرد هو الذي يفعل الكثير كما أشار إليه قوله تعالى سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها [١] نزه نفسه عن الزوج إذ هو خالق كل الأزواج و مثل هذه الآية قوله وَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [٢] أنه فرد لأن خالق الأزواج كلها لو كان زوجا لكان خالقا لنفسه و لزوجه ضرورة أن خالق كل زوج لا بد و أن يكون أولا خالقا لأفراده ثم له إذ خلق الأزواج ثم أفرادها ممتنع ضرورة فهو ليس بزوج و لا له زوج و لا ولد بديع السموات و الأرض أنى يكون له ولد و لم تكن له صاحبة [٣] و خلق كل شيء أزواجا لأن كل ممكن زوج تركيبي و الواجب هو الفرد الأحد لكونه مبدأ الأزواج و اعتبر بالأعداد إذ كل عدد قليله و كثيره فهو فعل الواحد و معلوله و من هاهنا نشأ أكثر اعتناء الحكيم الكامل فيثاغورس و أصحابه باشتغالهم بالبحث عن أرثماطيقي و خواص الأعداد و مراتبها و كيفية نشأتها من الواحد و عودها إليه إذ الكل منه بدأ و إليه يعود لأن طريقتهم هذه هادية لهم إلى معرفة الصانع البديع و صفاته و آثاره و أفعاله و مؤدية بهم إلى الكشف عن أحوال ذاته و هي النظر في أحوال الوحدة و الواحد الحقيقي و نسبة الكثرة و العدد إليه كما أن طريقة بعض الحكماء في معرفة الحق و صفاته و أفعاله النظر في أحوال الوجود و الموجود بما هو موجود و كلتاهما طريقة واحدة في الحقيقة إذ الوجود و الوحدة متحدان حقيقة و ذاتا متساوقان و متلازمان مفهوما و اعتبارا و كذا طريقة النور للإشراقيين
[١] . يس ٣٦
[٢] . الذاريات ٤٩
[٣] . الأنعام ١٠١