مفاتيح الغيب - الملا صدرا - الصفحة ٢١٨
بالفعل و لم يتفطن بأن شرف كل شيء بما به هو بالفعل لا بما به بالقوة و أن الإنسان إنسان بجوهر نفسه الروحانية لا بمادة بدنه العنصرية فكأنه لم يكن عارفا بوجود المفارقات.
و منها غلبة النارية على مادة تكونه تدل على أن نفسه شديدة التعلق بتلك المادة القوية الجوهر لأن شدة فعلية البدن و قوة قواه يمنعان النفس عن قطع تعلقها عن لذات البدن و النفس ما لم تعرض عن الجنبة السافلة لم تصر قابلة للإلهام الإلهي و الإعلام الرباني و إنما يرتقي الإنسان إلى عالم التعليم و التقديس لقصور دواعيه الجسمانية و فتور قواه البدنية و تقلبه في الأطوار الكونية و انزعاج نفسه عن هذه الحياة الناقصة الدنيوية و كثرة آفاته و بلياته بواسطة ضعف البشرية و فتور نشأته الجسمانية كما قال تعالى خُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً [١] فكل من لم يكن في أول الفطرة الجسمانية له هذا الحال و كان له ضرب من الكمال الحسي أو الوهمي متبجحا [٢] بزينة ذاته الاستعلائية الافتخارية و صورته الاشتغالية النارية فخورا بقهره و علو جسميته الدخانية فلا محالة يتقيد بحالة و يقف على حده و ينكر فوق كماله فوقع الانسداد له عن الارتقاء إلى الكمال الأعلى و المنزل الأسنى فيحتجب عن حضرة الحق و يطرد عن عالم القدس و سماء الرحمة هاويا إلى أسفل درك الجحيم لكونه مقصور النظر إلى أسافله منتكس الرأس إلى قوى نفسه و مهواه و هاوية هواه عن مولاه و من نظر في حال الإنسان من أول تكونه إلى غاية نشوئه حيث كان أولا نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم جنينا ثم طفلا يتيقن أن مبنى استكماله و انتقاله إلى مرتبة زواله عن المرتبة السابقة فما لم يخلع عن ذاته كسوة صورة سابقة لم يتلبس بكسوة صورة لاحقة و متى لم يمت عن نشأة أولى لم يحي بحياة نشأة ثانية.
و منها أنه لو كان في ذاته إمكان الترقي إلى مشاهدة الحقائق الإلهية و ملاحظة العلوم الربانية لكان بالغا إليها عارفا في المدد المتطاولة و الألوف الجمة من الأدوار و الأكوار التي مضت عليه مع كثرة الشواهد و الآيات الدالة على تحقيق وجود الباري و كيفية صفاته الجلالية و تحقيق أسرار
[١] . النساء ٢٨
[٢] . أي فرحانا