مفاتيح الغيب - الملا صدرا - الصفحة ٢١٤
تعالى قال للملائكة إذا هم عبدي بسيئة فلا تكتبوها عليه فإن عملها فاكتبوها سيئة و إذا هم بحسنة فلم يعملها فاكتبوها حسنة فإن عملها فاكتبوها عشرا قد أخرجه مسلم و البخاري
و هذا دليل على العفو عن عمل القلب و همه بالمعصية و في لفظ آخر من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة و من هم بحسنة فعملها كتبت له إلى سبعمائة ضعف و من هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب له و إن عملها كتبت و في لفظ آخر و إذا تحدث بأن يعمل سيئة فأنا أغفرها له ما لم يعملها و كل ذلك يدل على العفو و أما ما يدل على المؤاخذة فقوله سبحانه إِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ [١] الآية و قوله وَ لا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَ الْبَصَرَ وَ الْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا [٢] فدل على أن عمل الفؤاد كعمل السمع و البصر فلا يعفى عنه و قوله وَ لا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ وَ مَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ [٣] و قوله لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَ لكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ [٤].
و حق القول في هذه المسألة أنه لا يتوقف على جلية الحال ما لم يقع الإحاطة بتفصيل أعمال القلوب من مبدإ ظهورها إلى أن يظهر العمل على الجوارح.
فنقول ما يرد على القلب أولا هو المسمى بالخاطر و هو صورة علمية كما لو خطر له مثلا صورة امرأة و أنها وراء ظهره في الطريق لو التفت إليها لرآها.
و الثاني هيجان الرغبة إلى النظر و هو حركة الشهوة التي في الطبع المسماة بالشوق فهذا يتولد من الخاطر الأول و يسمى ميل الطبع أيضا و يسمى الأول حديث النفس إذ قلما ينفك الإنسان في مثل تلك الحالة عن المحادثة مع نفسه.
و الثالث حكم القلب بأن هذا ينبغي أن يفعل أي ينبغي أن ينظر إليها فإن الطبع إذا مال لم تنبعث الهمة و النية ما لم تندفع الصوارف فإنه قد يمنعه حياء أو خوف من الالتفات و عدم الصوارف ربما يكون بتأمّل و هو
[١] . البقرة ٢٨٤
[٢] . الإسراء ٣٦
[٣] . البقرة ٢٨٣
[٤] . البقرة ٢٢٥