مفاتيح الغيب - الملا صدرا - الصفحة ٢٠٤
أحدا إلا ما تولاه طبعا و أراده و هذا عدل منه و رحمة و قد ورد أن الله خلق الخلق كله في ظلمة ثم قال لهم ليختر كل منكم نفسه صورة أخلقه عليها و هو قوله خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ [١] فمنهم من قال رب اخلقني خلقا حسنا أعدل ما يكون حتى لا يكون مثلي أحد في الحسن و الجمال و هم المؤمنون حقا و منهم من قال اخلقني خلقا قبيحا أبعد ما يكون من التناسب و أوغله في التنافر حتى لا يكون مثلي في القبح و البعد عن الاعتدال أحد و كل منهما أحب لنفسه التفرد فإن حب الفردانية فطرة الله السارية في كل الأمم التي يقوم بها وجود كل شيء فخلق الله كلا على ما اختاره لنفسه فتحت كل منكر معروف و قبل كل لعنة رحمة و هي الرحمة التي وسعت كل شيء فإن الله يولي كلاما تولاه و هو قوله وَ مَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَ يَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَ نُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَ ساءَتْ مَصِيراً [٢]
و مما ورد في الخبر في صفة يوم القيامة موقوفا على ابن مسعود: أن الله عز و جل ينزل في ظلل من الغمام من العرش إلى الكرسي فينادي مناد أيها الناس أ لم ترضوا من ربكم الذي خلقكم و رزقكم و أمركم أن تعبدوه و لا تشركوا به شيئا أن يولي كل ناس منكم ما كانوا يتولون و يعبدون في الدنيا أ ليس ذلك عدلا من ربكم قالوا بلى قال فينطلق كل قوم إلى ما كانوا يعبدون و يتولون في الدنيا قال و يمثل لهم أشباه ما كانوا يعبدون الحديث بطوله
و كما يولون في الآخرة ما تولوا في الدنيا فإنما يولون في الدنيا ما تولوه في السوابق حين خلقوا في الظلمة فإن شك في ذلك شاك فاتل قوله تعالى إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ الْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها [٣] الآية ليعلم أن الله تعالى لا يحمل أحدا شيئا قهرا و قسرا بل يعرضه أولا فإن تولاه ولاه و إن لم يتوله لم يوله و هذا من رحمة الله و عدله و يرحم الله امرءا آمن بالكتاب كله و لم يبادر بالصرف و التأويل فيما لم يبلغه بعقله و لم يسلك سبيل المقتسمين الذين جعلوا القرآن عضين [٤] لا يقال ليس تولية الشيء ما تولاه عدلا من حيث يكون ذلك التولي عن رشد و بصيرة
[١] . الأعراف ١١
[٢] . النساء ١١٥
[٣] . الأحزاب ٧٢
[٤] . الحجر ٩١