مفاتيح الغيب - الملا صدرا - الصفحة ٢٠٣
و حصل لها في ذلك الشيء صورة طبيعية هي مبدأ تلك الصفة فما كان غريبا صار أصليا بعد الرسوخ كما في الحديدة الحامية بالنار فإنها بكثرة النفخات و تضاعف التسخنات صارت ذات صورة نارية تفعل فعلها من الإحراق و الإضاءة و غيرهما و إلى مثله وقعت الإشارة في قوله تعالى فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ [١] صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ [٢] و قوله إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا [٣] يعني أنهم انسلخوا عن الفطرة الإنسانية و خرجوا عنها إلى حدود البهيمية بواسطة أمراض قلوبهم على ما قال فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً [٤] على أن هذا المرض الذي عرض لذواتهم و الحالة المنافية التي قامت بهم لو لا أن وجد من ذواتهم قبولا لعروضها لهم و إذنا في لحوقها بهم لم يكونا يعرضان لهم و لا يلحقان بهم فإذن كان مما يقتضيه ذواتهم أن يلحقهم أمور منافية مضادة لجواهرهم فإذا لحقهم تلك الأمور اجتمعت فيها جهتان فكانت ملائمة منافية أما كونها ملائمة فلأن ذواتهم اقتضتها و أما كونها منافية فلأنها اقتضتها على أن تكون منافية لهم و لأنهم بما هم ذوي فطرة إنسانية ينافيهم تلك الأمور و بما انسلخوا عن الفطرة و خرجوا يلائمهم فالشيء عند عروض مثل هذه الحالة المنافية ملتذ متألم سعيد شقي ملتذ لكن لذته ألمه سعيد و لكن سعادته شقاوته و هذا عجيب جدا و لكنا أوضحناه لك إيضاحا لم يبق لك معه عجب إن شاء الله.
فمهما سمعت الله عز و جل يذكر هؤلاء بالبعد و الشقاوة فهم أشقياء مبعدون مردودون لا شك في ذلك فإن العذاب مطبق عليهم من فوقهم و من تحت أرجلهم و مهما سمعته عز و جل ينبئ على خلقه كله بالحسن و البهاء و يذكر نفسه بالرحمة التي وسعت كل شيء فاعلم أنه بالنظر إلى تلك الجهة التي نبهناك عليها أن ذواتهم لو لم تستدع عروض العذاب الدائم لم يكن يفعل بهم ذلك هذا قبل رسوخ الهيئة و أما بعد رسوخ تلك الهيئة المنافية فالحال كما عرفت من كونها ملائمة على الإطلاق فإن الله عز و جل لا يولي
[١] . المنافقون ٣
[٢] . البقرة ١٧١
[٣] . الفرقان ٤٤
[٤] . البقرة ١٠