مفاتيح الغيب - الملا صدرا - الصفحة ٢٠٢
لعروض مرض و انحراف عن المزاج الأصلي الجبلي.
و قد ورد في الحديث: أني خلقت عبادي كلهم حنفاء
و أنهم أتتهم الشياطين فمستهم أيدي الشياطين فاحتالهم من دينهم فالطاعة هي الحنيفية التي يقتضيها ذواتهم لو لم تمسسهم أيدي الشياطين فإذا مستهم أيدي الشياطين فسد عليهم مزاج فطرتهم فاقتضوا أشياء منافية لهم مضادة بجوهرهم البهي الإلهي من الهيئات الظلمانية و نسوا أنفسهم و ما جبلوا عليهم فأتاهم رسول من الله يذكرهم عهد ذواتهم و يتلو عليهم آياته و يعود عليهم بتلك الهيئات التي كانت يقتضيها ذواتهم فصرفوا عنها باللاحق الغريب و هي الصلاة و الصوم و الزكاة و صلة الأرحام و غيرها من الطاعات المعروفة فإن كل ذلك دين الله الذي دينه يوم خلق السماوات و الأرض و دعا إليه عباده أجمعين فأطاعوه و تقلدوه طوعا و رغبة و حنينا و محبة و لو لم يكن هذه الهيئات و ما يلزمها من السعادات مما يقتضيها ذواتهم كانت دعوتهم إليها دعوة إلى شقاوتهم لأن سعادة الشيء ليس إلا ما يقتضيه ذاته و لا شقاوته إلا خلاف ما يقتضيه ذاته و إنما كبرت الصلاة و ثقلت الطاعات على الناس لما أنشب فيهم أظفار من العارض الغريب كما قال تعالى بَلْ أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ [١] وَ لَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها وَ لكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي [٢] الآية.
فأما الخاشعون فهم الذين باشر أنوار الحق نفوسهم حتى خشعوا لها فإن الله إذا تجلى لشيء خشع له فليست الصلاة كبيرة عليهم و هذا معنى ما قال من الصوفية إن العبد يبلغ درجة يرفع منه التكليف يعني يصير الطاعات طبيعة له و هذا معنى ما قال بعض أكابر الحكماء إن النفس ترتقي في الكمال إلى أن يصير العلم بالله و ملكوته صورة ذاته فيصير عبدا محضا و ذلك لتذكره عهده القديم عائدا إلى فطرته الأصلية كالمريض المنقطع عنه مدة شهوة الطعام إذا عاد صحيحا فإنه يستدعي الطعام بما أمكن له من الجهد بعد ما لم يقدر على تناول لقمة بتكليف المكلفين.
ثم اعلم أن الصفة الغريبة إذا رسخت و تأكدت في الشيء تصير طبيعة
[١] . المؤمنون ٧١
[٢] . السجدة ١٣