مفاتيح الغيب - الملا صدرا - الصفحة ٢٠١
الموجودات على كثرتها و اختلافها ليست بخارجة عن سعة دائرة رحمته فالهواء إذا انقلب نارا مثلا فما دام كونه ذا صورة هوائية كان متوفرا عليه نصيبه من الرحمة الوجودية و قسط من نعيمه اللائق به من الكمالات الثانوية ثم إذا انقلب نارا كان وجود النارية وجوده و صفاتها الكمالية صفاته و أليق الأمور به حينئذ صفات النارية و كمالاتها من غير مبالاة منه بفقد صفات الهوائية لأن كل شيء بما هو ذلك الشيء أحب الأشياء عنده نفسه و ما من شيء إلا و هو ساكن في حد نفسه غير خارج عن بيت ذاته نعم ربما يكون ممنوعا عن بعض صفاته العرضية بحسب قسر قاسر و منع مانع و هذا القسر غير دائم كما برهن عليه في مقامه فمآل كل شيء إلى ما هو خير له بحسب شخصه كما بحسب نوعه و لهذا ذهب بعض العلماء إلى أن الأصلح بحال كل شخص يجب صدوره عن الباري تعالى أ لم تسمع في بعض الأخبار أن الله عز و جل خلق الصنائع و عرضها على بني آدم قبل أن يخلقهم هذا الوجود الدنيوي في بعض مواطن الغيوب فاختار كل لنفسه صناعة فلما أوجدهم أوجدهم على ما اختاروه لأنفسهم و هكذا الأمر في كل ما يجري على الإنسان من الأحوال و الأفعال لا يختص ذلك بالصنائع بل ذلك مثال واحد من هذا الشأن فليحسن كل أحد ظنه بربه و ليحبه بكل قلبه فإن الرحمة من ربه عليه و الحنان كما وصفنا و أكثر على رغم أنوف المتفلسفين و مما لا توقف لأحد في الإيمان به أن المحبة و الحنان يتبعان الملاءمة و لا يكون لأحد شيء أشد ملاءمة من خالقه الذي منه وجوده و إليه معاده و هو أوله و آخره و ظاهره و باطنه بل أمره كله.
بقي أن يقال فما شأن الشقاوة و العصيان و العذاب و الخسران.
فنقول نعم كل ذلك حق و سنوقفك على حقيقة الأمر فيه فاعلم أن الطاعة كل هيئة يقتضيها ذات الإنسان بما هو إنسان أي ذو جوهر نطقي لو خلي عن العوارض الغريبة فهي الفطرة الأولى التي فطر الله عباده كلهم عليها و المعصية كل ما يقتضيه بشرط غريب يجري له مجرى المرض و الخروج من الحالة الطبيعية فيكون ميل الإنسان بما هو إنسان إليه كشهوة الطين التي هي غريبة بالنسبة إلى المزاج الطبيعي لم يحدث إلا