مفاتيح الغيب - الملا صدرا - الصفحة ٢٠٠
مبادئها التي هي أمور وجودية توجب الإيلام و الإضرار و الإهلاك لأن ضرورة العقل قاضية باستحالة صدور موجود شرير عن المبدإ الرحيم يوجب وجوده إهلاك خلق كثير لا يعد و لا يحصى كالشيطان الرجيم فالإشكال باق في صدور مثل هذا الشرير الذي يلزمه إهلاك النفوس الكثيرة و إيقاعها في العذاب الأبدي و إضلالها و منعها عن الفوز بالسعادة الدائمة و النعيم السرمدي.
لكنهم تفصوا عن هذا الإشكال بمنع كون الشرور الواقعة منه في العباد أكثر من الخيرات الواصلة إليهم بسببه أو مساوية لها إلا أن هذا الحكم أي منع كون شره أكثر من خيره أو مساويا له و إن كان أمرا محتملا بالقياس إلى نوع الإنسان متصورا لكن كونه كذلك بالقياس إلى كل فرد فرد في غاية البعد فيعود الإشكال في كونه مهلكا مضرا لآحاد الناس و كان الواجب أن لا يقصر الإلهية عن الجمع بين صلاح الشخص و نظام الكل كيف و الكل آخذ منه عائد إليه و كل ما يفعله الخير يجب أن يكون خيرا حسنا بحسب ما يليق بذاته فالموجودات الصادرة عن الخير الأول لا بد و أن تكون على الأمر اللائق بشأنها و إلا لأدى الأمر إلى الجبر و العجز و الاضطرار و يتطرق ظن أنه تعالى لا يجد سبيلا إلى إقامة النظام و إصلاح الأنام إلا بإدخال الضرر من الشيطان أو ما يجري مجراه على هذا العاجز المسكين فما له أن يعبد ربا عاجزا فإنه لا يعبد ربه إلا لأنه يجد نفسه عاجزا فقيرا فيلتجئ إلى قوي عزيز يدفع عنه الآفة و الضرر فإذا كان هو عاجزا مثله فقد فر من العجز إلى العجز تعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا. مخلص عرفاني و الذي عليه العرفاء المحققون و الأولياء الكاملون في هذه المسألة أن الباري جل اسمه عامل كل أحد من خلقه معاملة لو لم يكن له خلق سواه لكان عامله بهذه المعاملة و اختار لكل شيء ما إن وكل أمره إلى نفسه اختار ذلك و ذلك لأن الأشياء كلها آثار إلهيته و مظاهر أسمائه و صفاته و كما أن الأسماء الإلهية مع كثرتها و اختلافها مشترك في ذات أحدية فكذلك
مفاتيح الغيب ؛ ص٢٠١