مفاتيح الغيب - الملا صدرا - الصفحة ١٩٤
نشأت و تربيت و أحكمت من الآداب طرفا و أخذت من العلوم نصيبا و اشتغلت بأمر المعاش و عرفت أمر المنافع و المضار و علمت ما يجب علي من أمر الشريعة و الناموس من الأوامر و النواهي و السنن و الفرائض و الأحكام و الحدود و الوعد و الوعيد و الثواب و العقاب ثم أقمت بواجبها جهدي و طاقتي و بحسب ما وقعت و قضي علي.
ثم فكرت في قوله تعالى إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا [١] و قوله تعالى إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ [٢] و آيات كثيرة و أحاديث غير يسيرة في هذا الباب و تفكرت أيضا في
قوله ص: رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر
يعني مجاهدة النفس و تصديقه من جاهد فإنما يجاهد لنفسه [٣] و تفكرت في
قوله ص: لكل عبد شيطانان يغويانه
و قوله ص: إن شيطاني أعانني الله عليه فأسلم
و قوله ص: إن الشيطان ليجري في ابن آدم مجرى الدم
و تصديقه قول الله تعالى مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ مِنَ الْجِنَّةِ وَ النَّاسِ [٤] فلما سمعت ما ذكره الله تعالى و ما روي عن رسوله نظرت عند ذلك بعقلي و تفكرت بعلمي فلم أجد أحدا في هذا الأمر يضادني في هذا المعنى و لا يخالفني و يعاديني من أبناء جنسي و ذلك أني وجدت الخطاب متوجها عليهم كلهم مثل ما هو متوجه علي فعلمت بأن هذا أمر عام يشمل جميع بني آدم و يعم كلهم ثم تأملت و بحثت و دققت النظر فوجدت حقيقة معنى الشياطين و كثرة جنود إبليس أجمعين و مخالفتهم بني آدم و وساوسهم إياهم هي أمور باطنة و أسرار مركوزة في الجبلة مطبوعة في الخلقة و هي مبادئ الأخلاق الردية و الآراء المذمومة و الجهالات المتراكمة و الاعتقادات الفاسدة الحاصلة من غير معرفة و لا بصيرة ثم لما تأملت و نظرت فوجدت الخطاب في الأمر و النهي و الوعد و الوعيد و المدح و الذم متوجها كله على النفس الناطقة و وجدتها بما يوصف من الأخلاق الحميدة و المعارف الحقيقية و الأعمال الزكية ملكا من الملائكة بالإضافة إلى النفس الشهوانية
[١] . فاطر ٦
[٢] . يوسف ٥
[٣] . العنكبوت ٥
[٤] . الناس ٤ إلى ٦