مفاتيح الغيب - الملا صدرا - الصفحة ١٨١
و يهديه إلى خيرات أخرى حتى ينجر الخير إلى الخير و في مثل هذا القلب يشرق نور المصباح من مشكاة الربوبية حتى لا يخفى فيه الشرك الخفي الذي هو أخفى من دبيب النملة السوداء في الليلة الظلماء على الصخرة الملساء و لا يخفى على هذا النور خافية و لا يروج عليه شيء من مكائد الشيطان بل يقف الشيطان و يوحي زخرف القول غرورا و لا يلتفت إليه.
و أما إذا كان مشحونا بالجهل ضالا عن سمت الحق مسدودا عنه طرق الملائكة مغلقا عليه أبواب المعرفة فكلما انقدح فيه خاطر من الهوى و هجس فيه فينظر القلب إلى حاكم العقل ليستفتي منه و يستكشف وجه الصواب فيه فيكون العقل قد ألف خدمة الهوى فأنس به و استمر على استنباط الحيل له و على مساعدة الهوى فتستولي و تساعد عليه فينشرح الصدر بالهوى و تنبسط فيه ظلماته لانحباس جند العقل عن مدافعته فيقوى سلطان الشيطان لاتساع مكانه بسبب انتشار الهوى فيقبل بالتزيين و الغرور و الأماني و يوحي بذلك زخرفا من القول غرورا فيضعف سلطان الإيمان بالوعد و الوعيد و يخبو لو كان فيه قليل من نور اليقين لقلته و غلبة سلطان الهوى إذ يتصاعد عن الهوى دخان مظلم إلى القلب يملأ جوانبه حتى تنطفئ نور المعرفة و يصير العقل كالعين التي ملأ الدخان أجفانها فهكذا تفعل غلبة الشهوة بالعقل حتى تعميه و تحركت الجوارح على وفق الهوى و ظهرت المعصية إلى عالم الشهادة من خزائن الغيب بقضاء من الله و قدرة و إلى هذا القلب الإشارة بقوله تعالى أَ رَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ إلى قوله بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا [١] و بقوله لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ الآيات [٢].
تبصرة قد ظهر أن هذه الطاعات و المعاصي كلها إنما ظهر من مكامن الغيب إلى عالم الشهادة بواسطة خزانة القلب الإنساني فإنه من خزائن الملكوت و هي إذا ظهرت كانت علامات لأرباب البصائر الثاقبة يعرفون بها سابق
[١] . الفرقان ٤٣ و ٤٤
[٢] . يس ٧