مفاتيح الغيب - الملا صدرا - الصفحة ١٧
اتخذوا القرآن مهجورا و هم الذين وبخهم الله بقوله فَما لِهؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً [١] و شكا عنهم رسوله إليه يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً [٢] رب رجل أديب أريب عاقل فصيح له اطلاع تام على علم اللغة و الفصاحة و اقتدار كامل على صنعة المناظرة و طريق المجادلة مع الخصام في علم الكلام و هو مع براعته في فصاحته لم يسمع حرفا من حروف القرآن بما هو قرآن و لا فهم كلمة واحدة.
فأنت أيها المشعوف بعلوم الدنيا المعرض عن علوم الآخرة اعلم أنك لم تخرج بعد إلى الآن قدما من عتبة بابك الذي أنت معتكف فيه إلى طلب الحق و لم ترغب في طريق معرفته و الاطلاع على أسرار مملكته و الوقوف على معاني كتبه و كلامه و لم تحصل بعد مفردات حروف رسالته التي أنزل إليك و معبودك متوجه إليك من سماء عظمته و أحديته ناظرا إليك بعين عنايته و صمديته ليجذبك بجذبة ارجعي إلى جوار قدسه و كرامته و أنت مشغول إليهم بأسباب الجدل و الخلاف و طلب الرئاسة بالخراف و التقلب في البلاد و الديار و التبسط في الأسفار لطلب الأسانيد العالية للتفاخر و الاشتهار أ ما علمت أن ذلك لحرمانك عن فهم أسرار اليقين و الاطلاع على سر كلام الله المبين و كذلك حال المغترين بلامع سراب الحكمة المحرومين عن شراب ماء المعرفة في أنهار آيات القرآن و جداول أحاديث سيد الأنس و الجان و سواقي كلمات أوليائه و أهل بيته الطاهرين سلام الله عليه و عليهم أجمعين كما أشير إليه بقوله تعالى أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها [٣] فأودية الفهوم سالت من فيضه بقدرها و جداول العقول فاضت من رشحة نهرها فأبرزت الأوادي على سواحل الأسماع جواهر ثاقبة [٤] و دررا و أنبتت [٥] الجداول على شواطئ الأنظار زواهر ناضرة و ثمرا
[١] . النساء ٧٨
[٢] . الفرقان ٣٠
[٣] . الرعد ١٧
[٤] . أي ظهر و نشأ
[٥] . أي المضيئة