مفاتيح الغيب - الملا صدرا - الصفحة ١٥٧
إلى الخير و الشر فعلم مما ذكر أن السبب في الخير و الشر أو النفع و الضر من الأسباب الداخلية لفعل الإنسان و السبب للذة و الألم من الأسباب الخارجة لفعله و أكثر الناس لا يعرف من الأمور و أسبابها إلا ما هو المكشوف عند إحدى الحواس الخمس و لهذا اقتصرت هممهم على هذا العالم و تحصيل أغراضه و لذاته.
و الغرض من إثبات الملائكة و الشياطين أن يتفطن الناس بما وراء هذا العالم و هذه المحسوسات و أسبابها ليتوجهوا إلى اقتناء العلوم و الخيرات و الاتصال بأسبابها و يطيعوا الله و رسله من الملائكة و النبيين و يجتنبوا عن اكتساب الجهل و الرذائل و دواعيها و يعرضوا عن مطاوعة الشيطان و جنوده أجمعين.
عقد و حل ثم لقائل أن يقول فالإنسان إنما أقدم على الطاعة بإلهام الملك و أقدم على المعصية بإغواء الشيطان فإن كان عمل ذلك الملك فعل الخير لملك آخر و عمل ذلك الشيطان فعل الشر لشيطان آخر و هكذا إلى أن يكون لكل ملك ملكا و لكل شيطان شيطانا فلزم تسلسل الملائكة و تسلسل الشياطين لا إلى نهاية فإن كان عمل ذلك الشيطان ليس لأجل شيطان آخر ثبت أن ذلك الشيطان الأول إنما أقدم لحصول ذلك الاعتقاد في قلبه من الله من غير واسطة و كذا الحكم في جانب الخير و الملك و عند هذا يظهر أن الكل من عند الله.
فنقول هذه شبهة قوية و هي التي حملت الثنوية خذلهم الله على القول بوجود إلهين و حملت القدرية الذين هم مجوس هذه الأمة على القول بالقدر الحتمي و باستقلال العبد في فعله و حملت الأشاعرة بإنكار الداعي و نفي الحكمة في فعله تعالى إلا أن ذوي البصائر المستنيرة بنور الله العارفين بتعليم الأسماء يسهل عليهم التفصي عن هذا الإشكال و لو لا أن منعهم رسول الله ص عن إفشاء سر القدر لأطلقوا عنان الكلام في بيانه و نحن أيضا مقتفوا آثارهم و متبعوا أنوارهم إن شاء الله