مفاتيح الغيب - الملا صدرا - الصفحة ١٥٦
و عند تذكيره يترتب الميل إليه و يترتب الفعل على حصول ذلك الميل فالذي من الشيطان الخارجي ليس إلا ذلك التذكر و إليه الإشارة بقوله تعالى حكاية عن إبليس أنه قال وَ ما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي [١].
أقول لعمري كان السائل و المجيب كليهما لم يعرفا معنى الشيطان و الملك و لم يفرقا بين الشيطان الخارجي و الشيطان الداخلي و كذا بين المعلم الداخلي كالملك و المعلم الخارجي كالمعلم و الناصح فالحق في الجواب أن يقال هذه الأسباب و إن كانت مترتبة إلا أنه ليس جميعها موجبة بنفسها بحيث لا يمكن أن يعارض شيئا منها معارض بل التعارض بين دواعي الخير و دواعي الشر واقع و التطارد بين جنود الملك و جنود الشيطان قائم في ذات الإنسان لكونه مزدوج الحقيقة من جوهر نوراني هو روحه و جوهر ظلماني هو طبعه و إنما يفعل ما يفعله الإنسان بالاختبار و الإرادة و الإرادة منبعثة عن العلم بالداعي فإذا لم يتحقق له علم أو لا يبلغ علمه إلى حد الجزم بل كان شكا متساوي النسبة إلى الطرفين لم يقدم على الفعل أو الترك بل كان مترددا إلى أن يترجح أحد الجانبين على الآخر و للرجحان سبب لا محالة لأنه حادث فهذا الجانب الراجح إن كان من العقليات و كان خيرا أو نافعا في الآخرة كان سببه أمرا روحانيا فاعلا للخير و كل ما هو كذلك فنحن سميناه بالملك و ذلك لأن السبب للأمر العقلي لا يمكن أن يكون جسما أو عرضا في جسم فلا محالة يكون أمرا روحانيا و إن كان شرا أو ضارا في الآخرة كان سببه أمرا روحانيا فاعلا للشر و كل ما هو كذلك فهو المسمى بالشيطان و إن كان الراجح من الحسيات كان سببه أمرا حسيا لأن السبب القريب للحوادث الجسمانية لا يكون إلا أمرا ذا وضع لأن التأثر و التأثير في الجسمانيات إنما يكونان بمشاركة الأوضاع فذلك الأمر الحسي إن كان داعيا للفعل يسمى ملذا و إن كان داعيا للترك يسمى مؤلما فاللذة و الألم في الحسيات مثال للخير و الشر في العقليات و كذا النفع و الضر فيها لأنهما وسيلتان
[١] . إبراهيم ٢٢