مفاتيح الغيب - الملا صدرا - الصفحة ١٥
القدس ما معنى الكتابة و الرقم و اللوح و القلم و النون و ما يسطرون و معنى حروف الجمل و الحروف المقطعة القرآنية و الكلمات المفردة و المركبة الفرقانية فإن العناية الربانية لما تعلقت بتربية أولاد العقول أفاد لهم رزقهم من ألبان ضروع التقديس و أذاق لهم من لطائف عالم الرحمة و الرضوان و تحف الملكوت و هدايا الجنان أغذية لطيفة في كسوة الحروف المفردة على طريق الرمز و الإشارة إلى مقاصد أهل البشارة لئلا يطلع عليها الأغيار و من لم يكن لهم أهلية الارتقاء إلى عالم الأسرار فكتب الله في ألواح أرواحهم حروفا مجملة و مقطعات مفردة لعلهم يذكرون و بصنائع آبائهم يصنعون و على مثل كتابهم و قراءتهم يكتبون و يقرءون و إلى منازلهم و مناصبهم يرتقون
لقوله ص: اقرأ و ارق
و هذه الحروف المقطعة النورانية تسمى في عالم السر و الخفاء بالحروف المجملة و حروف الجمل و في ذلك العالم يصير الحروف المتصلة منفصلة لأنه يوم الفصل و التميز و إن كان يوم الجمع أيضا باعتبار لقوله تعالى هذا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْناكُمْ وَ الْأَوَّلِينَ [١] و قوله لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ [٢] و قوله تعالى يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ [٣] فأهل الدنيا لكونهم في مقام الجمعية الصورية و التفرقة المعنوية شاهدوا الحروف المختلفة متصلة و شاهدوا الحروف الواحدة بالنوع حروفا متعددة بعدد الأشخاص الكثيرة فإذا نظروا إلى حروف يحبهم و يحبونه [٤] يرونها هكذا متصلة الأنواع متفرقة الأعداد و لكن الذين تجردوا عن الدنيا و انكشف عنهم الغطاء و انقشع عن وجه بصيرتهم سحاب الامتراء و ظلمة العمى يرون هذه الحروف بالبصيرة الباطنة هكذا ي ح ب ه م ثم إذا ارتفعوا عن ذلك المقام إلى مقام أعلى يرونها نقاطا و فوقه مقام آخر لا يفهم العبارة بالمشافهة دون المشاهدة و لا يشرحه الإشارة بالبيان دون صريح العيان.
فأول علامة من ارتفع عن هذا المنزل الأدنى و خلص عن حجب
[١] . المرسلات ٣٨
[٢] . الأنفال ٣٧
[٣] . الشورى ٧
[٤] . المائدة ٥٤