مفاتيح الغيب - الملا صدرا - الصفحة ١٤٣
فنقول إن العلم و هو الصورة الحاضرة لحقائق الأشياء عند الجوهر العاقل على قسمين أحدهما شرعي و الآخر عقلي و أكثر العلوم الشرعية عقلية عند عالمها و أكثر العلوم العقلية شرعية عند ماهرها و من لم يجعل الله له نورا فما له من نور [١].
أما العلم الشرعي فينقسم إلى قسمين علم أصول و علم فروع أما علم الأصول فهو علم التوحيد و الرسالة و الكتابة و النبوة و الإمامة و المعاد و المؤمن الحقيقي من علم هذه الأصول عرفانا يقينيا كشفيا أو برهانيا و إليه أشير في قوله آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَ الْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَ مَلائِكَتِهِ وَ كُتُبِهِ وَ رُسُلِهِ [٢] الآية و أما علم الفروع فهو العلم بالفتاوى و الأحكام و القضايا و الحكومات و المناكحات و غيرها و القرآن بحر محيط بالكل و فيه من المشكلات الكثيرة ما لا يحيط به كل عقل إلا من أعطاه الله فهما في كتابه و فقهه في الدين و علمه علم اليقين
و في الحديث:
لكل حرف من حروف القرآن حد و لكل حد مطلع
و الله تعالى بين في القرآن جميع العلوم بحقائق الأشياء محسوسها و معقولها جليها و خفيها صغيرها و كبيرها و إلى هذا أشار بقوله وَ لا رَطْبٍ وَ لا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ [٣].
أما القسم الثاني من العلم و هو القسم العقلي فهو علم مشكل يقع فيه الصواب و الخطأ و من عرفه حق المعرفة يرجع بالحقيقة أصوله إلى أصول الشريعة و فروعه إلى فروعها و أما أصوله فهي نظرية و عملية أما النظرية فموضوعها في ثلاث مراتب باعتبار القرب و البعد عن الأجرام الكونية فأعلاها مرتبة الإلهيات و أوسطها الرياضيات و أدناها الطبيعيات و أما العملية فهي أيضا ثلاثة أقسام علم تهذيب الأخلاق و علم تدبير المنزل و علم تدبير المدينة و أما فروع هذه العلوم فهي أيضا كثيرة ليس هذا المقام موضع تفصيلها.
إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم أن العلم الإنساني يحصل من طريقين
[١] . النور ٤٠
[٢] . البقرة ٢٨٥
[٣] . الأنعام ٥٩