مفاتيح الغيب - الملا صدرا - الصفحة ١٢٠
يخشى الله دون غيره أنه لا بد في الخشية من العلم بأمور ثلاثة أحدها العلم بالقدرة التامة فإن الملك قد يعلم من رعيته أنهم عالمون بأفعاله القبيحة لكنه لا يخافهم لعلمه بعدم قدرتهم على دفعه.
و الثاني العلم بكونه عالما لأن السارق من مال السلطان يعلم قدرته و لكنه اعتمد على أنه غير عالم بسرقته فلا يخافه.
و الثالث العلم بكونه حكيما لا يفعل أمورا جزافية فإن المسخرة عالم بعلم السلطان على قبيح عمله و بقدرته على زجرة لكنه يعتمد في سخريته على أنه قد يرضى بما لا ينبغي فلا يخاف أما لو علم أنه حكيم لا يرضى بسفاهته لكان خائفا منه و هذا عمدة الوجوه فإن أكثر المتكلمين يزعمون أنه تعالى له أن يغفر الكبائر و الفواحش كلها و له أن يعذب أهل العبادة و التقوى بخلاف العالم بالله فإنه يعلم أنه تعالى لا يهمل شيئا من الطاعات و المعاصي إلا و يجزيه بما كانوا يعملون فإن لكل فعل سببا و غاية لا يمكن أن يترتب غاية الشر على فعل الخير و لا عكسه و أما التفضل و العفو و المغفرة فجميع ذلك ثابت إلا أن لها أسبابا خفية في علم الله ينشأ من جانب الله فثبت أن الخوف و الخشية من لوازم العلم بالله و أنه سبب دخول الجنة و ذلك لأن العالم إذا علم بنور الإيمان أن اللذة العاجلة حقيرة في مقابلة الألم الآجل صار ذلك الإيمان سببا لفراره عن تلك اللذة العاجلة و ذلك هو الخشية و إذا صار تاركا للمحظور فاعلا للواجب كان من أهل الثواب فقد ثبت بالشواهد العقلية و النقلية أن العالم بالله خائف و الخائف من أهل الجنة.
الثاني أن ظاهر الآية تدل على أنه ليس للجنة أهل إلا العلماء و ذلك لأن كلمة إنما للحصر فهذا يدل على أن خشية الله لا تحصل إلا للعلماء و الآية الأخرى و هي قوله ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ دالة على أن الجنة لأهل الخشية فدل مجموعهما على أنه ليس للجنة أهل إلا العلماء.
ثم اعلم أن هذه الآية فيها تخويف شديد و ذلك لأنه ثبت أن الخشية من لوازم العلم فعند عدم الخشية يلزم عدم العلم بالله و هذه الدقيقة تنبهك على أن العلم الذي هو سبب القرب من الله الذي يورث الخشية