مفاتيح الغيب - الملا صدرا - الصفحة ١١
و العبارات رحمة من الله و شفقة على خلقه و تأنيسا لهم و تقريبا إلى أفهامهم و مداراة معهم و منازلة إلى أذواقهم و إلا فما للتراب و رب الأرباب.
ففي كل حرف من حروفه ألف رمز و إشارة و غنج و دلال و جلب قلوب لأهل الأحوال فوقع النداء من العالم الأعلى لتخليص الأسراء من هذا المهوى و سجن الدنيا بقوله وَ ذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ [١] فبسطت شبكة الحروف و الأصوات مع حبوب المعاني لصيد طيور السماوات و لكل طير رزق خاص يعرف ذلك منشئها و مبدعها و إنما الغرض الأصلي اصطياد نوع خاص منها برزق مخصوص و هو المقصود من بسط الشبكة في الأرض دون غيره سواء عليهم ء أنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون [٢] و إلا فما من رزق إلا و يوجد في القرآن قسم منه لقوله تعالى وَ لا رَطْبٍ وَ لا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ [٣] فكما يوجد فيه من حقائق الكلم و طرائف الحكم التي معرفتها غذاء الأرواح و قوت القلوب فكذلك يوجد فيه المعارف الجزئية و الأدوية الصورية من القصص و الأحكام و هي ما ينتفع به المتوسطون في درجات النجاة و العوام و فيه أيضا ما به صلاح الدارين الدنيا و الآخرة و ما به صلاح هذه النشأة كالقصاص و الديات و المناكحات و المواريث ففيه الأغذية المعنوية و الصورية و الأقسام الأخروية و الدنيوية متاعا لكم و لأنعامكم [٤] فما من شيء إلا و فيه تبيانه و بيانه و لو كان من باطنك طريق إلى عالم الملكوت لتعرف كونه تبيانا لكل شيء.
و اعلم أن خطابات القرآن مما يختص بأحباء الله المتألهين و أوليائه المقربين لا المبعدين الممكورين و الجاحدين المنكرين ممن ليس لهم نصيب من رزق معاني الآيات المبين إلا قشور الألفاظ لأنهم عن السمع لمعزولون [٥] و لو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم و لو أسمعهم
[١] . الذاريات ٥٥
[٢] . البقرة ٦
[٣] . الأنعام ٥٩
[٤] . النازعات ٣٣
[٥] . الشعراء ٢١٢