مفاتيح الغيب - الملا صدرا - الصفحة ١٠٦
الشخصية لا يكون إلا من جهة أن العرض كما يفتقر إلى المحل شخصا كذلك يفتقر إليه نوعا لأن طبيعة العرض طبيعة ناعتية بخلاف الصورة إذ لها طبيعة مطلقة غير وصفية فحينئذ نقول لهذا القائل إن أردت أن هناك أمرين متغايرين بالاعتبار موافقا لما قرره الحكماء و المحققون فلا ينفع و لا يجدي في دفع الشبهة و أن أردت أنهما متغايران بالذات فهو مع أنه إحداث مذهب ثالث يرد عليه أمور أحدها أنه قد تقرر في مظانه أن كل مجرد قائم بذاته هو عالم بذاته و بنوا على ذلك إثبات صفة العلم في الباري و المجردات فوجب أن يكون المعلومات الحاصلة في الذهن علماء بأنفسها و هو مما لم يقل به أحد من العقلاء و ثانيها إذا كان المعلوم الكلي كالإنسان غير حال في النفس ناعتا له كان موجودا مجردا عن المادة قائما بذاته بسيطا و النفس أيضا مجردة عن المادة قائمة بذاتها بسيطة فلا يتصور أن يكون أحدهما ظرفا للآخر إذ الظرفية بلا حلول يكون بين الجسمانيات و منع هذا مكابرة صريحة و بالجملة هذا الكلام تخييل بلا تحصيل و منهم من ذهب إلى أن كل ما وجدت من الماهيات سواء كانت جوهرا أو كما أو كيفا أو غيرها من المقولات في الذهن يصير كيفا بالحقيقة و هو و إن كان مستلزما لانقلاب الحقائق ارتكبه معتذرا بأن وجود الشيء لما كان متقدما على ماهية كما هو مذهبه فجاز تبدل الماهية بتبدل نحو وجودها إذ مع قطع النظر عن وجود الشيء لا ماهية له أصلا فلا استبعاد في أن يتبدل الماهية أيضا فإذا وجد الشيء في الخارج كان له ماهية ما إما جوهر أو كم أو من مقولة أخرى و إذا تبدل الوجود و وجد في الذهن انقلبت ماهيته و صارت من مقولة الكيف و زعم أن بذلك يندفع أكثر الإشكالات الواردة على الوجود العلمي و لا يخفى ما فيه و لنا في هذا المقام أبحاث لطيفة و تحقيقات لائقة يضيق هذا المقام عن ذكرها و قد أوردناها في كتبنا العقلية سيما الأسفار الأربعة و كتاب المبدإ و المعاد و كتاب الشواهد الربوبية و سنشير إليها في بعض مشاهد هذا المفتاح [١].
[١] . هذا صريح في أن تصنيفه قدس سره هذا الكتاب أي مفاتيح الغيب يكون بعد كتبه الثلاثة المشهورة التي هي الأصول لفلسفته الأعلى و برهانه الأقوى و المفاتيح جامع لجميع تلك الكتب التي لمن تدبر يخوض في تياره و صنف و قد مضى من عمره ستون سنة كما يقول بعد هذا و على هذا قد كان عام تصنيفه سنة ١٠٤٠ و قد توفي قدس سره في سنة ١٠٥٠ و ألف التفاسير في سنة ١٠٣٠ كما كتب بخطه الشريف في ختام كتبه التفسيرية