شرح رسالة المشاعر - اللاهيجي، محمد جعفر - الصفحة ٥١٩
و لمّا خلق اللّه هذا الملك مرآة لذاته لا يظهر اللّه بذاته إلّا في هذا الملك و هو- من حيث إنّه منقوش بنقش خاتم خالقه عزّ اسمه- لوح محفوظ عن التغيّر و التبدّل، و حافظ يحفظ جميع ما فيه، و من جهة أنّه قائم الذات مدعى عن الحوامل و المحالّ جوهر مخلوق من ضوئه السور حتى سائر العقول، و من ظلمته الإمكاني جميع النفوس، و من ظلمته الحدوثي جميع الأجسام، فظهوره في جميع المخلوقات إنّما هو بصفاته، فهو قطب العالم الدنياوي و الأخروي، و قطب أهل الجنّة و النار، و قوله تعالى: قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي[١]أي ليس من عالم الخلق حتى يمكن تعريفه للظاهريين البدنيين الذين لا يتجاوز إدراكهم عن الحسّ و المحسوس، بل من عالم الأمر أي الإبداع الذي هو عالم الذوات المجرّدة عن الهيولى و الجواهر المقدسة عن الشكل و اللون و الجهة، فلا يمكنهم إدراكه، و بيّنها لأهل المكاشفة من الأنبياء و الأولياء بأنّه أراهم الروح بأوصافها في المكاشفة و ذلك سرّه عندهم و هم يكتمونه، لقلّة إدراك أفهام الخلق، و يمكن أن يكون هو للتعريف عني به أنّه جوهر بسيط من عالم الأمر و البقاء لا من عالم الخلق و الفناء و لهذا عبّر عنها بالكلمة في قوله تعالى: وَ كَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَ رُوحٌ مِنْهُ[٢]و أنّه ليس للاستبهام كما ظنّه جماعة من أنّ اللّه أبهم علم الروح على الخلق و استأثره لنفسه حتى قالوا- لفرط جهلهم بمنصب النبوّة-: إنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لم يكن عالما به، و جلّ منصب حبيب اللّه أن يكون جاهلا بالروح مع أنّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عالم باللّه و قد منّ اللّه عليه بقوله:
و علّمك ما لم تكون تعلم و كان فضل اللّه عليك عظيما.
تجلّيه و أقرب الناس إليه عليّ بن أبي طالب عليه السّلام إمام العالم و سرّ الأنبياء أجمعين». راجع:
الفتوحات المكّيّة، ج ١، ص ١٦٩، الباب ٦.
[١]الإسراء [١٧] : ٨٥.
[٢]النساء [٤] : ١٧١.