شرح رسالة المشاعر - اللاهيجي، محمد جعفر - الصفحة ٥٩١
«قال أمير المؤمنين عليه السّلام في خطب نهج البلاغة مشيرا إلى دثور العالم و زواله من جهة إثبات الغاية و الرجوع إلى البداية: «كلّ شيء خاضع له، و كلّ شيء قائم به».
قوله عليه السّلام: «خاضع» خضوع العاشق للمعشوق و الطالب للمطلوب و «قائم» قيام المحتاج بالمحتاج إليه «غنى كلّ فقير»، لأنّ الفقر لا يسدّ إلّا بما هو غنيّ بالذات «و عزّ كلّ ذليل»، لأنّ الذلّ ناش عن الفقر و الغنى أصل العزّ «و قوّة كلّ ضعيف» و الإمكان سبب الضعف، بل هو الضعف و قيّوم الخلائق واحد بدليل التوحيد «و مفزع كلّ ملهوف» لغنائه الذاتي و عموم القدرة «و من تكلّم سمع نطقه» و كان كلامه عليه السّلام قبل هذا مشعرا بما يسمّون الكثرة في الوحدة و هذا و ما بعده بالوحدة في الكثرة يشير «و من سكت علم سرّه»، لأنّه أقرب من حبل الوريد «و من عاش فعليه رزقه»، لأنّ تحقّق الشيء بلا تحقّق ما يتوقف عليه غير ممكن، فكلّ شيء باق بإبقائه أو ببقائه، محتاج به في كلّ ما يحتاج إليه «و من مات فإليه منقلبه» لأنّ ما هو الأوّل هو الآخر. «ثمّ ساق أمير المؤمنين عليه السّلام إلى قوله: في أحوال الإنسان» للتنبيه إلى أنّ تعاليه في درجات عروجه أزيد من سائر ما في العالم «و ولوج الموت فيه على التدريج» فيه تبيين للجاهلين و تذكير للغافلين «فلم يزل الموت يبالغ» في ولوجه و سريانه في قطع التعلّق و رفع التفرّق «في جسده حتى خالط سمعه» و ظهر ظهور الموت فيه «فصار بين أهله لا ينطق بلسانه و لا يسمع بسمعه» لانقباض الروح من اللّسان و إخراج القوة من السمع «و يردّد طرفه في وجوههم» و فيه دلالة على شرافة البصر على السمع حيث يبقى أثره بعد زوال أثره و يفهم من البيان كون السمع أقوى عن الباقي «يرى حركات ألسنتهم و لا يسمع رجع كلامهم» لخروج الروح من الحواسّ كلّها إلّا البصر، «ثم ازداد الموت التياطا به فقبض بصره كما قبض سمعه» فهذا آخر الانقباض «و خرجت الروح من جسده» بهذا الانقباض، لأنّ البصر آخر ما يتعلق به الروح «فصار جيفة بين أهله» بعد خروج الروح من جسده «قد أوحشوا من جانبه، و تباعدوا من قربه» لأنّ ما به