شرح رسالة المشاعر - اللاهيجي، محمد جعفر - الصفحة ٥٢٣
منها منعّمة و منها معذّبة إلى أن يردّها الله عزّ و جلّ إلى أبدانها. و قال عيسى بن مريم عليه السّلام للحواريين: أقول لكم الحقّ أنّه لا يصعد إلى السماء إلّا ما ينزل منها. و قال- جلّ ثناؤه-: وَ لَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَ لكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَ اتَّبَعَ هَواهُ [١]» [٢].
قوله: «اعتقادنا في النفوس» أي النفوس المقدّسة أو الذوات المجرّدة الصرفة فالألف و اللام للعهد أي في النفوس الكليّة المقوّمة للعالم «أنّها الأرواح» أي الذوات المجردة «التي تقوم بها حياة النفوس» المعلّقة بالأبدان «و أنّها الخلق الأوّل» بدليل إمكان الأشرف، و «لقول النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «أوّل ما أبدع اللّه هي النفوس المقدّسة المطهّرة، فأنطقها بتوحيده»: إنطاقا حاليّا أو قوليا، «ثم خلق بعد ذلك سائر خلقه» و هذا ظاهر فيما يقول: إنّ الواسطة لتصحيح صدور الكثير عن الواحد لا أنّها مؤثّرة، بل لا مؤثّرة في الوجود إلّا اللّه و يجوز أن يقال على سبيل الاحتمال كما قال عليه السّلام: «أوّل ما خلق اللّه روح نبيّك يا جابر» [٣].
المراد من النفوس المقدّسة الأرواح التي بها حياة نفوس ما سواه و هي روح النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و الوليّ و الأئمّة عليهم السّلام فإنّها أوّل ما خلق اللّه و هي الأرواح التي خلقها اللّه قبل الأجساد بأربعة ألف سنة، و المآل واحد و التوفيق ظاهر بالتدبّر.
و قال: «اعتقادنا فيها أنّها خلقت للبقاء» أي في النفوس الجزئيّة المتعلقة بالأبدان؛ لما استدلّ بقوله صلّى اللّه عليه و آله: «خلقتم للبقاء و إنّما تنتقلون من دار إلى دار» و من برزخ إلى برزخ حتى ينتقل و يصل إلى دار السكون؛ لأنّ الموت رفع التعلّق لا صيرورة الوجود عدما و هو ظاهر «و أنّ الأرواح في الدنيا غريبة» لأنّها ليست عالمها و هي نزلت بطريق الفيض من عالم العقل و صارت غريبة و سقطت لخطيئة أبينا آدم عليه السّلام من عالمها الأصلي و هذه الخطيئة هي التي بها صار حقيقا
[١]الأعراف [٧] : ١٧٦.
[٢]رسالة الاعتقادات، صص ٧٥- ٧٦.
[٣]خرّجناه في ص ٣١٣.