بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٣٣٣ - النظر في ما بني عليه المسلك الثالث من أن كل منذور يعد ديناً في ذمة الناذر
وبذلك يظهر: أنه لا سبيل إلى تطبيق كبرى وجوب إخراج الدين من الأصل على الواجبات الشرعية إلا ما يكون من قبيل الأموال كالخمس والزكاة المتعلقَين بالذمة، وأما غيرهما فلا يشمله حكم الدين إلا ما ثبت فيه ذلك بدليل خاص كحجة الإسلام.
وأما (المسلك الثاني) وهو أن كل واجب مالي يعدّ ديناً ــ في مقابل الواجب البدني كالصلاة والصيام ــ فهو الذي يظهر من بعض المعلّقين [١] على العروة.
ويبدو أن الأساس فيه هو صدق الدين عرفاً على كل ما تشتغل به الذمة مما يتوقف أداؤه على صرف المال، والحج كذلك، فإنه لا بد في أدائه من المال ولو بمقدار الزاد من الطعام والماء.
ولكن قد تبيّن مما تقدم عدم تمامية هذا الكلام من جهة اختصاص صدق الدين بما يكون مالاً والحج ليس كذلك، فإنه عمل لم يلحظ فيه جانب المالية.
بل لو سلّم صدق الدين على ما يتوقف أداؤه على صرف المال كالكفارة والفدية فلا مجال للالتزام به في مثل الحج مما يتطلب أداؤه جهداً بدنياً ويمكن أداؤه بلا صرف مال زائد، فإن الزاد هو مما يحتاجه الحاج بغض النظر عن أدائه للحج، كما هو الحال في الطعام الذي يأكله الصائم في إفطاره أو سحوره فإنه لا يجعل من الصوم واجباً مالياً.
وأما (المسلك الثالث) أي أن كل منذور يعدّ ديناً في ذمة الناذر فهو اختيار المحقق العراقي وتلميذه السيد الحكيم وكذلك السيد البروجردي وبعض تلامذته (قدس الله أسرارهم)، والوجه فيه هو ما ذكره السيد الحكيم (قدس سره) في غير موضع من أن مفاد صيغة النذر هو إنشاء تمليك المنذور لله تعالى ــ نظير مفاد آية الحج حيث إنها تدل على كون الحج مملوكاً لله تعالى على ذمة المكلفين ــ وإذا كان مملوكاً له عزّ وجل فهو دين، فإنه لا فرق في الدين ــ أي المملوك الذمي ــ بين ما يكون من قبيل العمل وغيره.
ولكن قد ظهر مما تقدم عدم تمامية هذا الكلام، فإنه لو سُلّم كون مفاد صيغة النذر هو تمليك المنذور لله تعالى إلا أنه لا يقتضي كونه ديناً عرفاً، لما تقدم
[١] العروة الوثقى ج:٤ ص:٥٠٢، التعليقة:١.