بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٥٢٦ - ٢ إذا كان المال في يد الوصي وهو باقٍ بعينه في تركته
المحذورين فالعلم الإجمالي بذلك لا يكون منجزاً، ولا مانع من الرجوع إلى استصحاب بقاء المال على ملك الموصي ليترتب عليه وجوب الاستئجار للحج عنه.
أقول: أما ما ذُكر في الجزء الأول من الاعتراض فيرد عليه: بأن ولي الموصي يعلم إجمالاً بلزوم الاستئجار للحج عن الموصي ــ ولو من باقي التركة أو من الثلث ــ أو حرمة أخذ المال من ورثة الوصي، وأصالة الصحة تقتضي عدم لزوم الاستئجار، كما أن استصحاب بقاء المال على ملك الميت يقتضي عدم حرمة أخذه من ورثة الوصي، فهذان أصلان ترخيصيّان في طرفي العلم الإجمالي لو أُجريا معاً أدى إلى الوقوع في المخالفة العملية القطيعة، أي لو لم يستأجر ولي الميت للحج عن الموصي من جهة، وفي الوقت نفسه انتزع المال من ورثة الوصي، يعلم بأنه قد وقع في المخالفة العملية للتكليف الإلزامي، فكيف يقال: إنه لا يلزم من إجراء الأصلين المؤمّنين الوقوع في المخالفة العملية القطعية؟!
هذا مع أنه يمكن أن يقال: إن تعارض الأصلين وتساقطهما لا يختص بمورد استلزام جريانهما المخالفة القطعية العملية، بل لو كان يستلزم التعبد بمتنافيين تعارضا وتساقطا أيضاً، كما نبّه على ذلك السيد الأستاذ (قدس سره) في بعض كلماته [١] في مبحث الاستصحاب.
[١] قال ٧ ــ كما في مصباح الأصول ج:٣ ص:٤٢ ــ: (إن قوام التعارض بين الأصلين بأحد أمرين على سبيل منع الخلو، وربما يجتمعان ..
أحدهما: أن يكون التنافي بين مفاد الأصلين في نفسه مع قطع النظر عن لزوم المخالفة القطعية العملية، كما إذا كان مدلول أحد الأصلين الإباحة ومدلول الآخر الحرمة، أو كان مدلول أحدهما الإباحة ومدلول الآخر عدمها، فلا يصح التعبد بالمتنافيين فيقع التعارض بينهما ويتساقطان، لعدم إمكان شمول دليل الحجية لكليهما، وشموله لأحدهما ترجيح بلا مرجح.
وثانيهما: أن تلزم من العمل بهما المخالفة العملية القطعية ولو لم يكن التنافي بين المدلولين، كما إذا علمنا بنجاسة أحد الإناءين، فجريان أصالة الطهارة في كل واحد منهما وإن لم يكن بنفسه منافياً لجريانها في الآخر، إلا أنه تلزم من جريانها في كليهما المخالفة العملية القطعية، وكذا في سائر مقامات العلم الإجمالي بالتكليف الإلزامي).
أقول: الفرق بين موارد التنافي بالذات بين مفاد الأصلين حيث التزم ٧ فيها بتعارض الأصلين وتساقطهما وموارد التنافي بينهما بالعرض من جهة العلم الإجمالي حيث التزم فيها بجريانهما معاً ما لم يستلزم الوقوع في المخالفة القطعية العملية هو أن التعبد بالمتنافيين بالذات لغو لعدم إمكان ترتيب آثارهما، وأما التعبد بالمتنافيين بالعرض فليس كذلك، نعم قد يستلزم محذوراً آخر وهو الترخيص في المخالفة القطعية العملية فيمتنع من هذه الجهة.
ولكن ذهب المحقق النائيني ٧ ــ وهو كالسيد الأستاذ ٧ من القائلين بمسلك الاقتضاء في منجزية العلم الإجمالي ــ إلى التفريق فيما ذكر بين الأصل المحرز وغيره حيث التزم في الأول بعدم جريانه في أطراف العلم الإجمالي ولو لم يستلزم مخالفة قطعية عملية من جهة أن مفاد الأصل المحرز كالاستصحاب هو اعتبار الشاك متيقناً لا مجرد تعيين الوظيفة العملية له في مرحلة الظاهر، ومقتضى جريان الاستصحاب في كلا الطرفين في مثال الإناءين المعلوم نجاستهما سابقاً وطهارة أحدهما لاحقاً هو التعبد بكون المكلف متيقناً بنجاسة هذا الإناء والتعبد بكونه متيقناً بنجاسة ذاك الإناء وهذان التعبدان ينافيان العلم الوجداني بطهارة أحدهما.
إلا أنه لم يظهر الوجه في التنافي بين العلم الإجمالي بطهارة أحد الإناءين والعلم الاعتباري بنجاسة كل واحد منهما، فإن العلم الإجمالي المذكور إنما يتقوم بالشك في طهارة كل من الطرفين، وهو إنما لا يجتمع مع العلم التفصيلي بنجاسة كل منهما، وأما العلم الاعتباري بذلك فهو مما لا ينافيه بل يتلائم معه، إذ لا بد في الاعتبار أن يكون على خلاف التكوين فتدبر.