بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٢١١ - استعراض الأقوال في المسألة والتعقيب عليها
وهناك تقريب آخر لكون العبرة بنظر الميت في كيفية أداء الواجب، وهو أنه لما كان متعلق الخطاب المتوجه إلى الوارث في محل البحث هو العمل النيابي فهو يقتضي رعاية نظر الميت في كيفية الأداء.
توضيحه: أن التكليف المتوجه إلى الوارث مما يكون موضوعه هو الميت على نحوين، فإن متعلق ذلك التكليف إما أن لا يكون عملاً يؤتى به بالنيابة عن الميت، وإما أن يكون مما يؤتى بالنيابة عنه ..
والأول: من قبيل التكليف بتجهيز الميت من غسله وكفنه والصلاة عليه ودفنه ونحو ذلك، ولا إشكال في أن العبرة في هذا النحو بنظر الوارث لا بنظر الميت، فلو كان الميت يرى اجتهاداً أو تقليداً لزوم أن يكون المغسِّل اثني عشرياً، أو أن يكون كل قطعة من القطعات الثلاث للكفن ساتراً لما تحته وعدم كفاية حصول الستر بالمجموع، أو أنه يجب أن يؤتى بالصلاة عليه في مكان مباح، ولكن الوارث كان لا يرى شيئاً من ذلك فالعبرة بنظر الوارث لا بنظر الميت، إذ لا وجه لاعتبار نظر الميت في مثل هذا النحو.
والثاني: من قبيل التكليف المتوجه إلى الولد الأكبر بقضاء فوائت أبيه من الصلاة والصيام، وكذلك التكليف المتوجه إلى الوارث بأداء الحج عن الميت من تركته، فإن متعلق التكليف المتوجه إلى الوارث في هذا النحو هو العمل المأتي به نيابة عن الميت، والنيابة تعني تنزيل الشخص نفسه منزلة شخص آخر في مقام الإتيان بعمل، وهذا يستبطن في نفسه معنى رعاية نظر المنوب عنه في كيفية أداء ذلك العمل بلا حاجة إلى التماس دليل آخر.
مثلاً: إذا استناب الرئيس شخصاً للحضور في مؤتمر فلا بد أن يتصرف النائب قولاً وفعلاً وفق ما يقتضيه نظر الرئيس لا وفق نظر نفسه، وإلا عُدَّ مخالفاً لما تقتضيه نيابته عنه.
وبالجملة: إن معنى النيابة هو أن يضع الشخص نفسه موضع المنوب عنه في القيام بالعمل، ومن المعلوم أنه إذا وضع نفسه مكانه فسيأتي بالعمل وفق نظره لا وفق نظر نفسه.