بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٤١٧ - هل يصح التمسك بأصالة الصحة فيما إذا شك في كون الحج الموصى به حجة الإسلام أو غيرها؟
وعلى ذلك فيمكن الرجوع إلى أصالة الصحة للبناء على كون الوصية المذكورة وصيةً بحجة الإسلام فتُخرج من الأصل.
ويلاحظ أن مورد هذا الكلام هو فيما إذا كانت كلفة الحج تزيد على الثلث، وإلا فلا يجري البيان المذكور، لفرض صحة الوصية على التقديرين.
لا يقال: ولكن في مثل ذلك ــ أي فيما إذا كانت كلفة الحج لا تزيد على الثلث ــ لا أثر للشك في كون الموصى به هو حجة الإسلام أو الحجة المستحبة، فإنه يجب تنفيذها على كل تقدير.
فإنه يقال: إن الأمر ليس كذلك دائماً. مثلاً: إذا كان الميت قد أوصى بالثلث لنفسه وأوصى بالحج أيضاً، وشُك في كون الموصى به هو حجة الإسلام أو حجة تطوعية، فإنه إذا كان الموصى به هو حجة الإسلام يجب إخراجها من الأصل ثم احتساب ثلث الباقي من التركة وصرفه في شؤون الموصي، بخلاف ما إذا كان الموصى به حجة تطوعية، فإنه يُخرج ثلث التركة ويُصرف في أداء الحج عنه وإن بقي شيء يُصرف في سائر شؤونه.
فيلاحظ أن الشك والتردد بين كون الحجّة حجة الإسلام أو حجّة تطوعية مؤثر في هذا المورد بالرغم من وجوب إخراج الحج على كلا التقديرين.
وكيفما كان فقد يتمسك بأصالة الصحة فيما إذا كانت كلفة الحج الموصى به تزيد على الثلث مع عدم موافقة الورثة على الزائد، فيقال: إن مقتضاها هو البناء على كون الحج الموصى به هو حجة الإسلام، فيلزم إخراجها من الأصل.
والملاحظ أن الأصل في هذا الكلام هو ما ورد في الكتاب المعروف بـ(فقه الرضا ٧ ) [١] ، وهذا نصه: (فإن أوصى رجل بربع ماله فهو أحبُّ إليَّ من أن
[١] الفقه المنسوب إلى الإمام الرضا ٧ ص:٢٩٨.
وتجدر الإشارة إلى أن هذا الكتاب هو ــ كما تنبه المرحوم السيد حسن الصدر (طاب ثراه) (لاحظ رسالة فصل القضا ص:٤٠٧) ــ في الأصل ليس سوى كتاب (التكليف) للشلمغاني الذي كان من فقهاء أصحابنا متقدماً فيهم مستقيم الطريقة، ولكن حمله الحسد لأبي القاسم الحسين بن روح (رضوان الله عليه) على ترك المذهب والقول بالحلول ونحوه من المذاهب الرديئة، حتى خرجت فيه توقيعات من الإمام ٧ ، وأخذه السلطان وقتله وصلبه. وقد ذكر خبره باختصار في كتب أصحابنا ومفصلاً في المصادر التاريخية الأخرى.
ومن الكتب التي عملها في حال الاستقامة ــ كما نصّ عليه أصحابنا ــ هو كتاب (التكليف)، ويبدو أنه كان الغرض من تأليفه هو أن يكون بمثابة رسالة عملية للشيعة الإمامية يعملون بها في عصر غيبة الإمام ٧ .
وهناك روايتان بشأن علاقة السفير الثالث الحسين بن روح (قدس سره) بتأليف هذا الكتاب ..
إحداهما: ما رواها الشيخ (قدس سره) (الغيبة للطوسي ص:٣٨٩) بإسناده عن الشيخ محمد بن أحمد ((بن)) الزكوزكي (رحمه الله) أنه قال: (أيش كان لابن أبي العزاقر في كتاب التكليف، إنما كان يصلح الباب ــ أي كل باب من أبواب الكتاب ــ ويدخله إلى الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح (رضي الله عنه) ، فيعرضه عليه ويحككه، فإذا صح الباب خرج فنقله وأمرنا بنسخه). يعني أن الذي أمرهم به الحسين بن روح (رضوان الله عليه) .
وهذه الرواية واضحة الدلالة على أن تأليف كتاب (التكليف) قد تم بإشراف مباشر من الحسين بن روح وأنه قد صححه بنفسه.
ثانيتهما: ما رواه الشيخ (قدس سره) أيضاً (الغيبة ص:٤٠٩) قائلاً: (لما عمل محمد بن علي الشلمغاني كتاب التكليف، قال الشيخ ــ يعني أبا القاسم (رضي الله عنه) ــ: اطلبوه إلي لأنظره، فجاؤوا به، فقرأه من أوله إلى آخره. فقال: ما فيه شيء إلا وقد روي عن الأئمة إلا موضعين أو ثلاثة، فإنه كذب عليهم في روايتها لعنه الله).
وظاهر هذه الرواية أن تأليف كتاب (التكليف) كان بعد انحراف الشلمغاني وأن الحسين بن روح لم تكن له أيّ علاقة بتأليفه وإنما اطّلع عليه بعد تأليفه وقد كذّب مؤلفه في ما حكاه عن الأئمة : في بعض المواضع.
وهذه الرواية الثانية مستبعدة جداً بل غير صحيحة، لما تقدم من تنصيص الأصحاب على تأخر انحراف الشلمغاني عن تأليفه لكتاب (التكليف).
وأما الرواية الأولى فالظاهر أنه مبالغ فيها وأن تأليف كتاب (التكليف) لم يكن بإشراف مباشر من الحسين بن روح. نعم الظاهر أنه كان يحظى بعناية خاصة منه، وقد سعى لاستحصال موافقة فقهاء قم عليه، فقد روى الشيخ (قدس سره) (الغيبة ص:٣٩٠) أنه (أنفذ الشيخ الحسين بن روح (رضي الله عنه) كتاب (التأديب) إلى قم، وكتب إلى جماعة الفقهاء بها، وقال لهم: أنظروا في هذا الكتاب، وانظروا فيه شيء يخالفكم؟ فكتبوا إليه: إنه كله صحيح، وما فيه شيء يخالف إلا قوله: في الصاع في الفطرة..)، ولفظ (التأديب) في هذه الرواية محرف (التكليف). والقرينة عليه أن المورد الذي استثناه فقهاء قم موجود بعينه في هذا الكتاب، فليراجع. (لاحظ فقه الرضا ص:٢١٠)
وبذلك يظهر: أن ما بنى عليه المحقق الشيخ آغا بزرك الطهراني (قدس سره) من كون كتاب (التأديب) من تأليفات الحسين بن روح استناداً إلى ما ورد في النص المذكور غير تام.
وكيف كان فإن هذا الكتاب قد حاز موقعاً متميزاً بين الشيعة وملئت منه البيوت، إلا أن انحراف مؤلفه لاحقاً أسقطه عن الاعتبار إلى حدّ بعيد حتى أن الشيخ (قدس سره) (الغيبة ص:٣٨٩) حكى عن ابن تمام أنه قال: (كان عندنا أنه ــ أي كتاب التكليف ــ لا يكون إلا مع غالٍ).
ومع ذلك فقد ظلّ هذا الكتاب متداولاً بين الشيعة، حتى إنه سئل السيد المرتضى (قدس سره) عن بعض ما ورد فيه (لاحظ رسائل السيد المرتضى ج:١ ص:٢٨٥، ٢٩٧) بل استفتاه بعضهم في الرجوع إلى هذا الكتاب فيما يُشكل عليهم من الفقه فلم يأذن لهم في ذلك (لاحظ رسائل السيد المرتضى ج:١ ص:٢٧٩).
وقد بقي الكتاب معروفاً باسمه منسوباً إلى مؤلفه إلى عدّة قرون، ثم حصلت ملابسات لا نعرفها بالضبط أدّت إلى نسبته إلى الإمام الرضا ٧ ، والنسخ الموجودة اليوم منه لا تخلو من خلل في الترتيب واضطراب في مواضع عديدة. ولكن لا يشك الناظر فيه أن مؤلفه كان فقيهاً متمكناً من الجمع بين الروايات واستنباط الأحكام.
ومما يجدر ذكره هنا هو أن الشيخ علي بن الحسين بن موسى بن بابويه والد الشيخ الصدوق (قدس سره) الراوي لهذا الكتاب عن مؤلفه الشلمغاني (لاحظ فهرست الشيخ الطوسي ص:٢٢٤) ــ قد اعتمد عليه كثيراً في تأليف رسالته المسماة بـ(الشرائع) التي كتبها لابنه الصدوق، وهذه الرسالة وإن لم يوجد منها اليوم بأيدينا إلا قطعة صغيرة من أوائلها ومقاطع مبثوثة في كتب الصدوق ومختلف الشيعة للعلامة (قدس سره) ، إلا أنه في ما وصل إلينا دلالة واضحة على مدى اعتماد ابن بابويه على الكتاب المذكور.
واعتماده عليه يشبه اعتماد المرجع المتأخر على رسالة المرجع السابق في تأليف رسالته العملية، حيث يأخذ من عباراتها ما يطابق فتاواه، ولم يكن اعتماده عليه من جهة حجية ذلك الكتاب بتمامه. ولذا نجد أنه قد غيّر في مواضع عديدة ما لم يكن موافقاً عليه.
ولكن جمعاً منهم الشيخ صاحب الحدائق (قدس سره) جعلوا من مطابقة ما حكي عن ابن بابويه مع ما يوجد في هذا الكتاب دليلاً قاطعاً على صحة انتسابه إلى الإمام الرضا ٧ .
وقد كرّر صاحب الحدائق هذه المقالة مراراً، وقال في المقام (الحدائق الناضرة ج:٢٢ ص:٤٢١): (إن اعتماد هذا الشيخ الجليل ــ أي ابن بابويه ــ على الفتوى بعبائر الكتاب ــ أي الفقه الرضوي ــ مع مخالفتها للأخبار الكثيرة كما هنا، وقد تقدم أمثاله أيضاً في غير موضع، أدلّ دليل على اعتماده على الكتاب المذكور، وجزمه بأنه كلامه ٧ .
ولكن متأخري أصحابنا (رضوان الله عليهم) حيث لم يصل الكتاب إليهم تكلفوا للاستدلال له ــ أي لابن بابويه ــ ببعض الأخبار، واعترضوا عليها كما هنا بعدم الدلالة أو بنحو ذلك، وهو غفلة عما ذكرناه مما وفقنا الله إليه، ويسر لنا الوقوف عليه).
ولكن قد ظهر مما تقدم أنه لا أساس لما ذكره (طاب ثراه) أصلاً. وفي كل الأحوال لا ينبغي الشك في عدم كون الكتاب المذكور من تأليف الإمام ٧ ، لشواهد كثيرة لا يتسع المقام لبيانها.