بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٣٤٦ - معارضة معتبرة مسمع ببعض الروايات الأخرى
الأمر الثاني: أن (التطوع) وإن كان يستعمل كثيراً في مقابل الواجب، ومنه قوله ٦ [١] : ((السلام تطوع والردّ فريضة)) بل هذا هو المطابق لمعناه اللغوي، إلا أن الملاحظ أنه يستعمل في أبواب العبادات بعنوان المعرّفية لنوع آخر من العبادة في مقابل ما يُعرف بعنوان (الفريضة) مما أوجبها الله تعالى في كتابه من الصلوات الفرائض اليومية وصوم شهر رمضان وحجة الإسلام ونحو ذلك.
فعنوان (التطوع) من هذه الجهة كعنوان (النافلة)، فكما أن المراد بالنافلة في باب الصلاة والصيام والطواف ونحوها هو نوع من هذه العبادات في مقابل ما يسمى بـ(الفريضة). ولذلك بنى العديد من الفقهاء (رضوان الله عليهم) بأن الأحكام التي رتّبت في ألسنة الأدلة على النافلة بعنوانها لا تتغير بالنذر، فمن نذر الإتيان بالصلاة النافلة لا يسعه أداؤها جماعة، إذ لا جماعة في النافلة، ولا يزول عنها عنوان النافلة بالنذر.
وكذلك من نذر أن يطوف طواف النافلة لا يلزمه أن يكون على طهارة من الحدث الأصغر، لدلالة النص على عدم اعتبار الطهارة منه في طواف النافلة، ولا يزول عنه عنوان النافلة بمجرد النذر.
وكذلك من نذر صوم النافلة له أن يفطر ما بينه وبين الليل متى شاء، لما ورد من جواز ذلك في صوم النافلة. ولا يزول عنه عنوان النافلة بالنذر، نعم إذا كان النذر معيناً فلا يجوز الإفطار لكونه موجباً للحنث لا من جهة زوال عنوان النافلة عن الصوم.
والحاصل: أن الأحكام المترتبة على النافلة لا تزول بالنذر، لأن النافلة تبقى نافلة وإن صارت منذورة.
ولا يبعد أن يكون (التطوع) كذلك، ويشهد له تداول استعمال أحدهما مكان الآخر في النصوص ــ كما لا يخفى على المتتبع ــ مما ينبئ عن وحدة المراد بهما، بل قد ورد التصريح بذلك في باب الصلاة، ففي خبر أبي بكر
[١] الكافي ج:٢ ص:٦٤٤.