بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٢١٤ - استعراض الأقوال في المسألة والتعقيب عليها
وأما ما ذكر ثالثاً من أن أجرة الحج لما كانت تخرج من مال الميت فلا بد أن يؤدى الحج وفق نظره لئلا يعدّ تضييعاً له فالجواب عنه: أن هذا يصح فيما إذا كان المالك هو الذي أذن في التصرف، أي لا بد عندئذٍ من رعاية نظره، وأما إذا حكم الشارع ببقاء مقدار من التركة على ملك الميت ثم أمر بصرفه في مورد معين، فعلى المكلَّف بصرفه في ذلك المورد أن يشخّص المصرف خارجاً ولا أثر لنظر الميت في ذلك.
فتحصل من جميع ما تقدم: أن القول الثاني المذكور مما لا يمكن المساعدة عليه.
٣ ــ وأما القول الثالث ــ أي كون المدار على نظر الوارث فيما إذا كان الاختلاف في أصل الوجوب، وعلى نظر الميت فيما إذا كان الاختلاف في كيفية الأداء ــ فيمكن تقريبه بأن ظاهر الأدلة كون موضوع التكليف المتوجه إلى الوارث هو اشتغال ذمة الميت بالحج واقعاً لا بحسب اعتقاد الميت، ومقتضى ذلك كون العبرة في أصل الوجوب بنظر الوارث لأنه طريقه إلى الواقع دون نظر الميت.
ولكن لما كان متعلق ذلك التكليف هو الحج المأتي به نيابة عن الميت وبماله لا بمال الوارث فلا محيص من الالتزام بكون العبرة في كيفية الأداء بنظر الميت دون نظر الوارث، فإن النيابة لما كانت تعني تنزيل الشخص نفسه منزلة شخص آخر في مقام الإتيان بعمل فهي تستبطن في نفسها رعاية نظر المنوب عنه في كيفية أداء ذلك العمل، وكذلك كون الصرف على أداء الحج عن الميت من ماله يقتضي رعاية نظره، إذ كيف يمكن الالتزام بجواز صرف مال الميت فيما لا يراه مجزياً وصحيحاً، بل يرى صرف المال فيه تضييعاً له.
هذا وقد ظهر مما مرَّ في الجواب عن تقريب القول الثاني تمامية ما ذكر في تقريب هذا القول من حيث كون المدار على نظر الوارث في أصل الوجوب، وعدم تماميته من حيث كون المدار على نظر الميت في كيفية أداء الحج، ولا حاجة إلى الإعادة.