بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٢١٥ - استعراض الأقوال في المسألة والتعقيب عليها
٤ ــ وأما القول الرابع ــ أي كون المدار على نظر الوارث دون الميت إلا فيما إذا كان نظر الميت موافقاً للاحتياط، وكان نظر الوارث مخالفاً له ومبنياً على الأصل العملي المرخص لا الدليل الاجتهادي ــ فتقريبه [١] هو أن ظاهر الأدلة ــ كما تقدم ــ كون موضوع التكليف المتوجه إلى الوارث هو اشتغال ذمة الميت بحجة الإسلام واقعاً، ومتعلق ذلك التكليف هو ما تشتغل به ذمة الميت من حيث الأجزاء والشرائط بحسب الواقع، فإن كان الاختلاف بين الميت والوارث من حيث أصل اشتغال ذمة الميت واستقرار حجة الإسلام عليه، كأن كان الميت يرى استقرارها عليه لكون فتوى مجتهده هو استقرار الحج على ذمة المستطيع إذا لم يخرج وإن كان لعذر كالجهل باستطاعته، ولكن كان اجتهاد الوارث عدم استقرار الحج بذلك. ففي مثل ذلك إن كان للوارث أمارة معتبرة على عدم الاستقرار ــ كما لو استفاد ذلك من بعض النصوص ــ فهي طريق له إلى تشخيص الواقع فيكفيه العمل وفقها، أي أنه يشخّص بها عدم اشتغال ذمة الميت بحجة الإسلام، فلا تكليف يتوجه إليه بأداء الحج عنه.
وأما إذا لم يكن مستنده ــ في عدم اشتغال ذمة من ترك الحج عن جهل بالاستطاعة ــ إلا أصالة البراءة، فحيث إن الأصل المرخص إنما يجري بالنسبة إلى الشخص عند الشك في تكليف نفسه، ويكون معذّراً له أمام الله تعالى إذا كان الواقع غير ذلك، وهو لا يكشف عن الواقع، فلا محيص للوارث من الاحتياط برعاية نظر الميت في ذلك، إذ لولا رعاية الاحتياط لا يمكن له حصول الوثوق والاطمئنان ببراءة ذمة الميت.
وبعبارة أخرى: إن أصالة البراءة عن اشتغال الذمة بحجة الإسلام مع ترك أدائها عن جهل بالاستطاعة إنما تنفع المكلف نفسه من حيث إنه يكون معذوراً يوم القيامة إذا ترك أداء الحج بعد ذلك. وأما كون ذمة ميته غير مشغولة بحجة الإسلام إذا تركها عن جهل بالاستطاعة فهذا ما لا يمكن إحرازه بأصالة البراءة، وإنما بالأمارة، والمفروض عدمها، فيبقى احتمال اشتغال ذمة الميت بالحج
[١] لاحظ تعاليق مبسوطة على مناسك الحج ج:١٠ ص:٥٤. منهاج الصالحين ج:١ ص:٣٠٣.