بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٣٣٠ - النظر في ما بني عليه المسلك الأول من أن كل واجب تشتغل به الذمة وضعاً فهو دين على ذمة المكلف
أما (المسلك الأول) فقد تبناه جمع منهم السيد صاحب العروة (قدس سره) ، واستدل له بما حاصله [١] : أنه ليس المناط في صدق الدين عرفاً إلا كون الشخص مطلوباً بمال أو عمل على سبيل الوضع، سواء أكان الطالب هو الله تعالى أم غيره، غاية الأمر أن الأول يسمى بدين الله والثاني بدين الناس.
والحج المنذور وكذلك الصلاة والصيام والكفارات والفدية ونحوها هي مما تشتغل بها الذمة وضعاً، لأن آية اشتغال الذمة وضعاً بأي واجب في مقابل كون وجوبه تكليفياً صرفاً هي مشروعية القضاء فيه، فإن القضاء ليس من باب التوبة ولا من باب الكفارة، بل هو إتيان بما كانت الذمة مشغولة به، فمشروعية القضاء عن الميت فيما فاته من صلاة أو صيام أو حج واجب بالأصل أو بالنذر، وكذلك أداء الكفارات والفدية عنه من بعد وفاته بوصية منه ــ من ماله أو تبرعاً ــ دليل على اشتغال ذمته بها، إذ لو كانت تكليفاً محضاً وجب سقوطها بمجرد الموت وعدم القدرة على الامتثال، ولم يكن مجال لتداركها وإن أوصى بإخراجها عنه من ثلثه، بل تكون الوصية بذلك باطلة.
وهذا بخلاف الواجبات التي لم يُشرع قضاؤها حتى ما كان واجباً مالياً كالإنفاق على المضطر لإنقاذ حياته والإنفاق على القريب، فإنهما لا يقبلان القضاء، فمن لم ينفق على أبيه ــ مثلاً ــ حتى فات وقته، أو لم ينفق على المضطر إلى الطعام حتى مات لا محل لتدارك ذلك بالنسبة إليهما، لأن وجوب الإنفاق على المضطر ببذل الطعام له إنما هو من باب الإنقاذ، فلا موضوع له بعد موت الجائع، وكذلك الإنفاق على القريب إنما هو من باب سد الخُلَّة فلو ترك الإنفاق عليه مع تمكنه لا يصير ديناً عليه، لأن الواجب سد الخلة وقد انتفى محله، فلا تدارك له.
وبهذا البيان يظهر: أنه لو نوقش في كون الحج المنذور واجباً مالياً فهو لا يضرُّ بصدق الدين عليه بعد اشتغال الذمة به وضعاً، ولذلك يشرع قضاؤه عن الميت، كما مر مفصلاً.
[١] لاحظ العروة الوثقى ج:٤ ص:٤٩٨، ورسالة منجزات المريض ص:٥.