بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٢١٣ - استعراض الأقوال في المسألة والتعقيب عليها
أما ما ذكر أولاً من أن مناسبة الحكم والموضوع تقتضي أن يكون المراد بـ(ما على الميت) هو ما عليه بحسب اعتقاده لا بحسب الواقع، بدعوى أن المتفاهم العرفي من الأدلة كون الغرض من تشريع وجوب القضاء ونحوه عن الميت هو تخليصه من المساءلة يوم القيامة فهو مما لا يمكن المساعدة عليه، بل لا يبعد أن يكون الغرض منه هو التسبيب في براءة ذمة الميت من الصلاة والصوم والحج واقعاً، لأن اشتغال ذمته بها ــ بغض النظر عن تعرضه للمساءلة بشأنها وعدمه ــ مما يترتب عليه الحرمان من بعض المقامات في الدار الآخرة، أي أن الذي تكون ذمته مشغولة بالصلاة أو الصيام أو الحج لا يكون له بعض تلك الدرجات الرفيعة، وإن كان بمنأى عن المساءلة والعقوبة.
والشاهد على عدم تمامية الوجه المذكور أولاً هو: أنه يجب قضاء الفائت من صلاة الميت وصيامه على ولده الأكبر وإن كان معذوراً في أصل فوتها منه بنوم أو نحوه، ومعذوراً أيضاً في ترك قضائها، كما لو أخّر القضاء اطمئناناً بأنه سيوفق له لاحقاً ثم فاجأه الموت، فإنه من المقطوع به عدم كونه معرضاً للعقوبة بسببه في يوم القيامة، ولكن مع ذلك يجب على الولد الأكبر قضاء ما فاته من الصلاة والصيام.
وأما ما ذكر ثانياً من أن مفهوم النيابة يقتضي رعاية نظر الميت ففيه: أن النيابة ــ كما مر في بحث سابق مفصلاً ــ تتقوم بتنزيل الشخص فعل نفسه منزلة فعل غيره، مع كون ذلك الفعل مما ينبغي صدوره من المنوب عنه، وهذا لا يقتضي رعاية نظر المنوب عنه في كيفية أداء العمل [١] .
نعم مقتضى النيابة عن استنابة أن يراعي النائب نظر الذي استنابه ــ وإلا لم يصدق تسبيبه في العمل الصادر من النائب ــ والنيابة عن الرئيس ــ التي ذكرت آنفاً ــ من هذا القبيل. وأما النيابة من غير استنابة فيكفي فيها أن يتصرف النائب وفق نظره فيما ينبغي أن يقوم به المنوب عنه.
[١] بل لو سلّم أن النيابة هي تنزيل الشخص نفسه منزلة شخص آخر في الإتيان بعمل ما فليس مقتضاه رعاية نظر المنوب عنه، نعم لا بد من رعاية تكليفه ولو بنظر النائب، فتأمل.