مفاتيح الغيب - الملا صدرا - الصفحة ٢٢
بالوجود اليقيني العقلي و يتصل بدائرة الملكوت الروحاني حتى يشاهد معنى و الله بكل شيء محيط [١] و يرى ذاته محاطا بها مقهورا عليها فحينئذ يشاهد وجوده في نقطة تكون تحت الباء و يعاين تلك الباء التي في بِسْمِ اللَّهِ حيثما تجلت له عظمتها و جلالة قدرها و يرى أنها كيف يظهر ذاتها على العاكفين في حظيرة القدس من تحت النقطة التي هي تحتها هيهات نحن و أمثالنا لا نشاهد حروف القرآن إلا سوادها لكوننا في عالم الظلمة و السواد و ما حدث من مد المداد أعني مادة الأضداد و المدرك لا يدرك شيئا إلا بما حصل لقوة إدراكه فإن المدرك و المدرك دائما من جنس واحد فالبصر لا يدرك إلا الألوان و الحس لا ينال إلا المحسوسات و الخيال لا يتصور إلا المتخيلات و العقل لا يعرف إلا المعقولات فكذلك النور لا يدرك لأحد إلا بالنور و من لم يجعل الله له نورا فما له من نور [٢] فنحن بسواد هذه العين لا نشاهد إلا سواد القرآن فإذا خرجنا من هذا الوجود المجازي و القرية الظالم أهلها مهاجرا إلى الله و رسوله و أدركنا الموت عن هذه النشآت الصورية الحسية و الخيالية و الوهمية و العقلية العملية و محونا بوجودنا في وجود كلام الله ثم خرجنا من المحو إلى الإثبات إثباتا أبديا و من الموت إلى الحياة حياة ثانوية أبدية فما رأينا بعد ذلك من القرآن سوادا أصلا إلا البياض الصرف و النور المحض و تحقيقا [٣] بقوله وَ لكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا [٤] و عند ذلك نقرأ الآيات من نسخة الأصل و من عنده علم الكتاب.
أيها الرجل إن القرآن أنزل إلى الخلق مع آلاف حجاب لأجل تفهيم ضعفاء العقول خفافيش [٥] الأبصار فلو عرش باء بِسْمِ اللَّهِ مع عظمته التي كانت له نزل إلى الفرش لذاب الفرش و اضمحل و في قوله لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ [٦] إشارة إلى هذا المعنى رحم الله عبدا قال كاشفا لهذا المعنى كل حرف في
[١] . فصلت ٥٤
[٢] . النور ٤٠
[٣] . تحقيقنا، ن م
[٤] . الشورى ٥٢
[٥] . أخافيش، ن م
[٦] . الحشر ٢١