جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٦٤٤ - وجوب إتيان صلاة الاحتياط بعد التسليم
................
-
اليقيني، و مع الشكّ لا يعلم المكلّف الفراغ، و أصالة العدم و إن كانت حجّة شرعيّة- و ليس هو في إثبات معنى لفظ، بل الفرض أنّه بعد ثبوت معنى اللفظ- لكنّها معارضة بمثلها؛ إذ لو شكّ بين الثالثة و الرابعة أو بينها و بين الخامسة و تمسّك بأصالة العدم في نفي الزائد و أتمّ الصلاة على مقتضاها عورض بأنّ الأصل عدم حصول معنى الصلاة المبرئة للذمّة؛ إذ الفرض أنّ الهيئة الحاصلة من العدد المخصوص و غيرها معتبرة فيها، و الأصل عدم حصولها.
نعم يتمّ جريان أصالة العدم في ذي الجزئيّات دون ذي الأجزاء؛ لانحلال الأوّل إلى تكاليف مستقلّة بعضها عن بعض دون الثاني، هذا. لكن قد يظهر من بعضهم صحّة البناء عليها [/ أصالة العدم] هنا، و لعلّه لأنّها- بعد فرض حجّيتها من الشارع- من قبيل العلم، فينقطع أصالة عدم الإتيان بالمبرئ بها؛ لأنّه بأصالة العدم مع العمل بمقتضاها يدخل تحت مسمّى الصلاة شرعاً، فيكون مبرئاً. بل قد يؤيّده تمسّك مثل العلّامة في المنتهى ( [١]) و غيره في مقام الشكّ في الأركان مع كونه في المحلّ بأصالة عدم الفعل، و احتمال أنّ ذلك منه في مقام التأييد و إلّا فالعمدة الدليل بعيد، على أنّه قد يفقد الدليل، كما لو شكّ بعد أن ركع هل كان قد ركع سابقاً أولا، فإنّ الظاهر هنا عندهم الصحّة، تمسّكاً بأصالة عدم وقوعه منه سابقاً.
و الإنصاف أنّه مع ذلك كلّه لا يخلو الأوّل من قوّة، بل قد يقال: إنّ إثبات أصالة العدم فيما نحن فيه محتاج إلى واسطة، بخلاف أصالة عدم المبرئ، فتقدّم عليه، بل قد يظهر من ملاحظة كلمات الأصحاب- في الصور العلاجيّة و في حصرهم صور الشكّ الصحيحة إلى الخامسة أو السادسة و نحو ذلك- أنّ عدم جريان الأصل من المسلّمات. و لعلّه من هذا و شبهه بالغ الاستاذ الأكبر في شرح المفاتيح في بطلان دعوى جريان الأصل حتى ادّعى وضوح فسادها ( [٢]). و ربّما يشهد له [/ لعدم جريان أصالة العدم] في الجملة ما سمعت من خبر زرارة ( [٣]) المشتمل على عدم نقض اليقين بالشكّ في حال من الحالات بناء على ما سمعته منّا في غيره، فلاحظ و تأمّل جيّداً، فإنّ كلامهم لا يخلو من اضطراب في المقام، إلّا أنّه لا يخفى عليك ابتناء الفروع الكثيرة على تقدير تمشّي هذا الأصل، و ثبوت أحكام لم يذكرها الأصحاب، و لعلّنا نشير إلى بعضها فيما يأتي. لا يقال: إنّا و إن لم نقل بجريان الأصل لكن قد وردت روايات على مقتضاه فَلِمَ لم يؤخذ بها، و هي روايات الأمر بالأخذ بالأقلّ ( [٤])، و لا يقدح عدم الاستناد إليها في الشكوك المتقدّمة، و ذلك لمكان المعارض هناك دونه في غيرها؟ إذ لا يخفى على من لاحظها أنّها ظاهرة في البناء على الأقلّ بالنسبة إلى المشكوك فيه من عدد الفريضة لا فيما إذا تجاوز الشكّ عددها، و إلّا- لو كانت ظاهرة في ذلك- لجرى مثلها في روايات الأكثر، فتكون حينئذٍ معارضة لها. و احتمال الفرق بأنّ روايات الأكثر ظاهرة في غير المتجاوز- بقرينة قوله (عليه السلام): «و أتمم ما ظننت أنّك نقصت» ( [٥]) و نحوه دون أخبار الأقلّ- ضعيف كما لا يخفى على من لاحظهما، على أنّ أخبار الأقلّ قد عرفت موافقتها للتقيّة، و إعراض الأصحاب عنها في الشكوك المتداولة المتعارفة التي تضمّنها بعض أسئلتها فضلًا عن غيرها، كلّا أنّ ذلك مخالف لطبع الفقاهة.
اذا تبيّن ذلك فاعلم أنّ الذي يظهر من الأصحاب [ذلك].
[١] المنتهى ٧: ٣٠- ٣١.
[٢] انظر المصابيح ٩: ٢١٨ فما بعدها.
[٣] تقدّم في ص ٦٤٠.
[٤] الوسائل ٨: ١٩٢، ١٩٣، ب ١ من الخلل الواقع في الصلاة، ح ٢٣، ٢٤.
[٥] تقدّم في ص ٦٤٢.