جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٣٩٥ - كيفيّة ائتمام النساء بالرجل
................
-
فيه؛ لأنّهنّ كنّ خلفهم لا يرونهنّ، و أمّا تقدمهم على النساء في الصلاتين فكان من الامور المعهودة عندهم، و كانوا يعلمون ذلك، و إنّما كان فضيلة تأخّرهم بالإضافة إلى أنفسهم دون النساء؛ لتقدّم الرجال على النساء على كلّ حال. إذا عرفت هذا فمعنى قوله (صلى الله عليه و آله و سلم): «صار سترة للنساء» أنّ الصفّ المتأخّر إنّما فُضّل على المتقدّم لتطلب النساء التأخّر فالتأخّر، فيكون ( [١]) أبعد من الرجال، فيكنّ مستورات عنهم بصفوفهنّ المتقدّمة، ثمّ لمّا شرع لهذه المصلحة بقي حكمه إلى يوم القيامة و إن لم يكن مع الرجال امرأة، مع أنّ فيه منع الناس عن الازدحام. قيل: و يحتمل أن يكون المراد بالصفوف في الحديث صفوف الجنائز لا المصلّين، فإنّ كلّ صفّ من الجنائز أقرب إلى المصلّي فهو المؤخّر و هو الأفضل، قلت: و حينئذٍ يشكل التعليل» ( [٢]) انتهى.
قلت: بل يشكل الدليل حينئذٍ على ما ذكره غير واحد من الأصحاب- بل ظاهرهم الاتّفاق عليه- من فضل الصفّ الأخير في صلاة الجنازة عكس اليوميّة؛ إذ لم نقف على غير الخبر المزبور.
لكن و مع ذلك عن المجلسي الجزم بالاحتمال المزبور، بل بالغ في الإنكار على الأصحاب في فهم الخبر المذكور على غير ذلك، قال: «و الذي يفهم من الرواية- و هو الظاهر منها لفظاً و معنى- أنّ المراد بالصفوف في الصلاة صفوف جميع الصلوات الشاملة لصلاة الجنازة و غيرها، و المراد بصفوف الجنائز إنّما هو الجنائز المختلفة إذا وضعت بين يدي الإمام للصلاة عليها، و أنّ المراد خير الصفوف في الصلاة الصفّ المتقدّم، أي ما كان أقرب إلى القبلة، و خير الصفوف في الجنائز المؤخّر، أي ما كان أبعد عن القبلة و أقرب إلى الإمام، و لمّا كان الأشرف في جميع المواضع متعلّقاً بالرجال صار كلّ من الحكمين سبباً لسترة النساء؛ لأنّ تأخّرهن في الصفوف سترة لهنّ، و تأخّر جنائزهنّ لكونه سبباً لبعدهنّ عن الرجال المصلّين سترة لهنّ، فاستقام التعليل في الخبرين ( [٣])، و سلم الكلام عن ارتكاب الحذف و المجاز، و صار الحكم مطابقاً لما دلّت عليه الأخبار، و العجب من الأصحاب كيف غفلوا عن هذا الاحتمال الظاهر و ذهبوا إلى ما يحتاج إلى تلك التكلّفات البعيدة الركيكة، فخذ ما آتيتك و كن من الشاكرين» ( [٤]).
١٢/ ٣٠/ ٥٠
و استجوده في الحدائق، لكن قال: «إنّ دليل الأصحاب لا ينحصر في الخبر المزبور، فيمكن أن يكون نصّ لم يصل إلينا كما في كثير من الأحكام، بل التعليل المزبور من الفقيه كالصريح في وصول نصّ إليه كما لا يخفى على الممارس العارف بطريقته، مضافاً إلى ما في فقه الرضا (عليه السلام): «و أفضل المواضع في الصلاة على الميّت الصفّ الأخير» ( [٥])» ( [٦]).
قلت: على أنّه قد يقال بعدم حسن التعليل في الخبر المزبور إلّا على ما ذكره الأصحاب؛ ضرورة عدم الاحتياج للسترة في الصلاة على المرأة حتى يكون الصفّ المؤخّر من جنائز الرجال سترة بين المصلّي و بين جنائز النساء الذي هو المقدّم، بخلافه على ما عند الأصحاب؛ إذ المراد أنّه صار فضل التأخّر سبباً لستر النساء و عدم تقدّمهن على الرجال أو محاذاتهنّ، كما هو واضح بأدنى نظر، فتأمّل.
و كيف كان فلا ريب في تأخّر النساء عن الرجال.
[١] في المصدر: «فيكنّ».
[٢] الوافي ٢٤: ٤٢٦، ذيل الحديث ٧.
[٣] في المصدر: «الجزءين».
[٤] البحار ٨١: ٣٨٨- ٣٨٩.
[٥] فقه الرضا (عليه السلام): ١٧٩. الوسائل ٣: ١٢١، ب ٢٩ من صلاة الجنازة، ح ٢.
[٦] الحدائق ١٠: ٤٠١- ٤٠٢.