جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٢١١ - عدم الوجوب على البعيد بأزيد من فرسخين
................
-
كلّه بان لك ضعف الخلاف في الجميع، فما في فوائد الشرائع و حاشية الإرشاد من أنّ أكثر الأصحاب على عدم وجوبها على المسافر، و الإجماع على عدمه في العبد ( [١])- من الغرائب، بل ممّا ذكرنا يظهر لك الخلل في جملة من المصنّفات. بل منه بان لك أنّه لا وجه للقدح في الاستدلال بخبر حفص على المطلوب بالجهالة في سنده بعد انجباره بما عرفت، مع أنّ حفصاً و إن كان عامّي المذهب لكن له كتاب معتمد «ست» ( [٢])، و عن الشيخ في العدّة: أنّه «عملت الطائفة بما رواه حفص عن أئمّتنا و لم ينكروه، و لم يكن عندهم خلافه» ( [٣])، بل أمارات متعدّدة تشهد بصحّة الخبر المزبور.
قال فيه: سمعت بعض مواليهم يسأل ابن أبي ليلى عن الجمعة هل تجب على المرأة و العبد و المسافر؟ فقال ابن أبي ليلى: لا تجب الجمعة على واحد منهم و لا الخائف، فقال الرجل: فما تقول إن حضر واحد منهم الجمعة مع الإمام فصلّاها معه هل تجزيه تلك الصلاة عن ظهر يومه؟ فقال: نعم، فقال له الرجل: فكيف يجزي ما لم يفرضه اللّٰه عليه عمّا فرضه اللّٰه عليه؟ و قد قلت؟! إنّ الجمعة لا تجب عليه و من لم تجب عليه الجمعة فالفرض عليه أن يصلّي أربعاً، و يلزمك فيه معنى أنّ اللّٰه فرض عليه أربعاً فكيف أجزأ عنه ركعتان، مع ما يلزمك أنّ من دخل فيما لم يفرضه اللّٰه عليه لم يجز عنه ممّا فرضه اللّٰه عليه، فما كان عند ابن أبي ليلى فيها جواب و طلب إليه أن يفسّرها له فأبى، ثمّ سألته أنا عن ذلك ففسّرها لي، فقال: الجواب عن ذلك أنّ اللّٰه عزّ و جلّ فرض على جميع المؤمنين و المؤمنات و رخّص للمرأة و المسافر و العبد أن لا يأتوها، فلمّا حضروها سقطت الرخصة و لزمهم الفرض الأوّل، فمِن أجل ذلك أجزأ عنهم، فقلت: عمّن هذا؟ فقال: عن مولانا أبي عبد اللّه (عليه السلام) ( [٤]). بل منه يعلم أنّ المراد سقوط السعي من نصوص الرخصة و إن عبّر في بعضها بسقوط الجمعة، إلّا أنّ المراد منه عدم الوجوب عيناً في هذا الحال، فلا يجب عليهم السعي، بل هو مقتضى ضمّ بعضها إلى بعض و اشتمالها على من كان على رأس فرسخين. و احتمال أنّ المراد الرخصة مطلقاً، المقتضية للتخيير و لو حال الحضور. يدفعه: اشتمال أكثرها على المجنون الذي لا يصلح فيه ذلك. نعم يجامع غيره في صدق عدم وجوب السعي، و حينئذٍ فإطلاق ما دلّ على وجوب الجمعة صالح لتناول هذه الأفراد في حال الحضور، على أنّه لو كان المراد سقوطها مطلقاً أمكن الإشكال في أصل الإجزاء إلّا: ١- بدعوى ظهور نصوص السقوط في ذلك. ٢- أو دعوى الاستناد إلى إطلاقات لا تقتضي الوجوب، و لا داعي إلى هذا التكلّف. و في قرب الإسناد للحميري عن عبد اللّه بن الحسن عن جدّه عن عليّ بن جعفر: أنّه سأل أخاه (عليه السلام) عن النساء هل عليهنّ من صلاة العيدين و الجمعة ما على الرجال؟ فقال: «نعم» ( [٥]). و خبر أبي همام المتقدّم ( [٦]) يراد منه أفضليّة اختيار الصلاة في البيت، فلا ينافي الوجوب العيني لو حضرت. و نصوص المسافر السابقة لا بدّ من حملها على ما إذا لم يكن قد حضر الجمعة أيضاً. فاتضح بحمد اللّٰه وجه الوجوب [هنا].
[١] فوائد الشرائع (حياة الكركي) ١٠: ١٨٠. حاشية الارشاد (حياة الكركي) ٩: ٩٦.
[٢] أي الفهرست: ٦١، الرقم ٢٣٢.
[٣] عدة الاصول ١: ٣٨٠.
[٤] التهذيب ٣: ٢١، ٢٢، ح ٧٨. الوسائل ٧: ٣٣٧، ب ١٨ من صلاة الجمعة، ح ١.
[٥] قرب الإسناد: ٢٢٤، ح ٨٧١. الوسائل ٧: ٣٣٨، ب ١٨ من صلاة الجمعة، ح ٢.
[٦] تقدّم في ص ٢٠٧.